منتدى الشوره


بسم الله الرحمن الرحيم
نرحب بكم زوارنا الاعزاء في منتداكم منتدى الشوره . وتكتمل فرحتنا بأنضمامكم والتسجيل فيه.
الادارة

منتدى الشوره

أجتماعي ثقافي علمي
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  التسجيلالتسجيل  دخول  
نرحب بالاعضاء الجدد في منتدى الشوره وندعوهم الى المساهمه الجادة في المنتدى ورفده بالمواضيع الهامه والمفيدة... ومن الله التوفيق ...ادارة المنتدى
نبارك للطلبه الناجحين في الامتحانات الوزاريه للعام الدراسي 2016-2017.

شاطر | 
 

 التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رافع الهويدي
المشرف المتميز
المشرف المتميز
avatar

النــقاط : 4998


مُساهمةموضوع: التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي   2012-02-28, 02:58



تعريف
التعصب المذهبي و بدايات ظهوره في التاريخ الإسلامي أولا:
تعريف التعصب المذهبي

ثانيا: بدايات ظهور التعصب المذهبي
عند المسلمين

تعريف التعصب المذهبي و بدايات ظهوره
في التاريخ الإسلامي

أولا : تعريف التعصب المذهبي :

أُخذت كلمة التعصب من العصبية ، و هي أن يدعوا الرجل إلى نصرة عصبيته ، و
الوقوف معها على من يُناوئها ، ظالمة كانت أو مظلومة . و من معانيهما أيضا –أي
التعصب و العصبية- المحاماة و المدافعة و النصرة [1] . و يكون ذلك على مستوى الأفكار و المشاعر ، و الأقوال و الأفعال .


و الشواهد الآتية تزيد ذلك وضوحا و إثراء ، أولها إنه عندما سئل المحدث أبو
بكر بن عياش (ت 193ه ) : من السني ؟ ،
قال: (( الذي إذا ذُكرت االأهواء لم يتعصب إليها ))[2] . بمعنى أنه لا يميل إليها و لا ينصرها و لا يُؤيدها . و ثانيها ما
قاله الحافظ ابن عبد البر الأندلسي (ت 463ه )، فإنه عندما ناقش بعض المسائل
الفقهية قال : (( و هو أصل صحيح لمن أُلهم رشده و لم تمل به العصبية إلى المعاندة
))[3] . بمعنى أن من العصبية الميل إلى الباطل ، و المعاندة فيه ، و عدم
قبول الحق .


و الشاهد الثالث هو قول للمؤرخ عبد
الرحمن بن الجوزي(ت 597ه) ، يقول فيه : (( نعوذ بالله من العصبية ، فإن مصنف هذا
الكتاب – هو أحد المحدثين- لا يخفى عليه أن هذا الحديث موضوع ))[4] . فمن العصبية عنده أن يعتمد الإنسان على حديث يعلم أنه موضوع،
انتصارا لأمر في نفسه ، فيترك الصحيح و يأخذ السقيم .


و الشاهد الرابع مفاده أن العلماء
المسلمين استعملوا كلمة التعصب للمدح و الذم معا ، تُفهم من حسب سياقها في الكلام
. فقال بعض علماء الجرح و التعديل : إن القاضي أبا الحسن محمد الرازي الشافعي (ت
338 ه ) كان متعصبا للسنة ناصرا لأهلها [5] . و قيل في الثري أبي منصور بن يُوسف البغدادي(ت460ه ) : (( كان صالحا
عظيم الصدقة ، متعصبا للسنة ))[6] . و قال بعضهم في الحافظ الرحالة عمر بن علي الليثي البخاري (ت468ه):
إنه كان مدلسا متعصبا لأهل الباطل[7] .


و آخرها –أي الشواهد- حديث[8] ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية (ت728ه) ، مفاده إنه قيل للرسول-عليه
الصلاة و السلام-: أمن العصبية أن ينصر الرجل قومه في الحق ؟ ، قال : لا ، و لكن
من العصبية أن ينصر الرجل قومه في الباطل[9] .


و بذلك يتبين أن التعصب على نوعين ، أولهما الانتصار للحق و هو ممدوح ، و
ثانيهما الانتصار للباطل و هو مذموم . و النوع الثاني هو موضوع كتابنا هذا ، و هو
التعصب للباطل لا للحق , و مقياسنا في ذلك
هو النقل الصحيح –أي الكتاب و السنة- و العقل الصريح ، فما وافقهما فهو تعصب للحق،
و ما خالفهما فهو تعصب للباطل .


و أشير هنا إلى أنه لا يُوجد تعصب واحد فقط ، و إنما هناك تعصبات كثيرة ،
منها : التعصب الأسري ، و التعصب القبلي، و العصب العرقي ، و التعصب الجهوي ، و
التعصب الحزبي ، و التعصب الديني –بين أبناء الأديان المختلفة- ، و التعصب المذهبي
، و يحدث بين مذاهب الدين الواحد ، و هو موضوع بحثنا هذا ، و قد تجلت مظاهره في مختلف جوانب الحياة عند
المسلمين خلال العصر الإسلامي ، على مستوى المذاهب و الطوائف ، فما هي بداياته و
تطوراته ؟ .

ثانيا : بدايات ظهور التعصب المذهبي
عند المسلمين (ق 1-3 ه) :


تعود بدايات التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي إلى الخلافات السياسية و
الفكرية –الأصولية و الفقهية- التي حدثت بين المسلمين خلال القرون الثلاثة الهجرية
الأولى، مما أدى إلى ظهور فرق و طوائف و جماعات تمذهبت بأفكار و أصول كانت تحملها
، ثم تعصّبت لها و سعت جاهدة إلى نشرها و الانتصار لها على أرض الواقع ، فدخلت في
نزاع مذهبي شديد فيما بينها ، على مستوى المشاعر و الأفكار ، و الأقوال و الأفعال
، و قد تجلى ذلك فيما يأتي :


أولا فعلى مستوى الفرق ، فإنه لما أنقسمت الأمة على نفسها بسبب الفتنة
الكبرى بين سنتي : 35-41ه ، ظهرت الفرق السياسية المتمثلة في الرافضة ، و
الشيعة ،و الخوارج ، و السنة ، ثم تنظّمت
،و تسيست ، و تمذهبت ، و تعصبت لأفكارها ،و خاضت من أجلها الصعاب و الشدائد و
الحروب[10] .


و ثانيا فعلى مستوى العقائد و أصول الدين ، فقد حدثت خلافات كثيرة بين
مختلف طوائف أهل العلم ، منذ نهاية القرن الأول الهجري و ما بعده ، فظهرت المعتزلة[11] و نفت صفات الله تعالى و قدمت العقل على الوحي[12]-أي النقل- .


و ظهرت الجهمية –أتباع جهم بن صفوان(ق:2ه) – فقالت بالجبر و فناء الجنة و
النار ، و عطّلت صفات الله تعالى[13] . و ظهرت أيضا الطائفة
الكرامية المجسمة على يد المتكلم محمد بن الكرام السجستاني (ق: 3ه ) ، فجسّمت الله
تعالى ،و شبهته بمخلوقاته[14] . تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا .


و في مقابل هؤلاء نجد أهل السنة و الجماعة ، كانوا يمثلون جمهور المسلمين ،
رافعين راية القرآن الكريم و السنة النبوية الصحيحة ، فمثلوا الإسلام الصحيح ،و
ردوا على انحرافات تلك الفرق ، فأثبتوا صفات الله تعالى بلا تأويل ،و لا تعطيل ،و
لا تشبيه ،و لا تجسيم ، و تولوا الصحابة ،و قدموا النقل على العقل [15] .


تلك الفرق تميزت بأفكار تمذهبت بها و تعصّبت لها ، و حاضت من أجلها
المصادمات و المناظرات ،و صنفت الكتب انتصارا لمذاهبها ، فكان ذلك سببا في طهور
التعصب المذهبي فيما بينها ،و انتشاره بين أتباعها[16] .


و ثالثا فعلى مستوى الفروع-أي الفقه- فإن الناس زمن الصحابة و التابعين و
تابعيهم لم يكونوا متمذهبين ، فكان العلماء يجتهدون لاستنباط الأحكام الشرعية ، و
غير المجتهدين منهم يسألونهم فيما لا يعرفونه ، و كان العوام يقلدونهم بلا تمذهب و
لا التزام بشخص معين منهم[17] . لذا لم يعرف المسلمون
التعصب الفقهي المذموم زمن هؤلاء طيلة نحو ثلاثة قرون ، ثم تغير الحال في القرن
الرابع الهجري و ما بعده ، حيث انتشر التمذهب الفقهي بين الناس ،و صاحبه التعصب
المذهبي بينهم ، بشكل واسع [18] .


لكن بوادره الأولى المحدودة تعود
إلى النصف الثاني من القرن الثاني الهجري و ما بعده ، بدليل الشواهد التاريخية
الآتية : أولها إن الفقيه الحنفي مُسعر بن كدام (ت155ه) كان فيه غلو في تعظيمه
للإمام أبي حنيفة النعمان (ت150) ، فكان يقول: (( جعلتُ أبا حنيفة حجة بيني و بين
الله تبارك و تعالى ))[19] .


و ثانيها يخص الفقيه المالكي أبا يحيى زكريا بن يحيى الوقاد (ت181ه ) فإنه
كان يغلو في الإمام مال بن أنس(ت179ه) ، و يتعصب له على أبي حنيفة[20] . و ثالثها ما قاله الحافظ شمس الدين الذهبي (ت748ه) في الحافظ يحيى
بن معين (ت 232ه) ، فعندما ذكر أن ابن معين قال : إن الإمام الشافعي ليس بثقة ،
أرجع –أي الذهبي- ذلك إلى فلتات اللسان و الهوى و العصبية ، لأن (( ابن معين كان
من الحنفية الغلاة في مذهبه ،و إن كان محدثا ))[21] .


و الشاهد الرابع يتعلق بالفقيه المالكي أصبع بن خليل القرطبي (ت272ه) ، كان
شديد التعصب للمذهب المالكي حتى أنه اختلق حديثا في ترك رفع اليدين في الركوع و
الرفع منه ، فكشف الناس أمره[22] .


و الشاهد الأخير-أي الخامس- يتعلق بالحافظ أبي بشر الدولابي (ت310ه) ، فإنه
كان حنفيا مفرط التعصب لمذهبه ، حتى أنه روى حديثا في القهقهة إسناده غير صحيح ،
فصححه لأن أبا حنيفة من رجاله و إسناده هو : روى أبو حنيفة ، عن منصور بن زاذان ،
عن المجلسي ، عن معبد الجهني ، عن رسول الله-صلى الله عليه و سلم- ، و الخلل في
هذا الإسناد هو أن الدولابي قال أن معبد الجهني هذا هو معبد بن هوذا الذي ذكره
البخاري في تاريخه ، و هذا غير صحيح ، لأن معبد بن هوذا أنصاري ،و ليس من قبيلة
جُهينة ، و معبد بن الجهني تابعي و ليس صحابيا ، فكيف يروي عن رسول الله-عليه
الصلاة و السلام- و هو لم يره ؟[23] .


و رابعا فإنه وُجد أيضا تعصب مذهبي بين مدرستي أصحاب الحديث و أهل الرأي ،
فالأولى أكثرت من استخدام الأثر من الأحاديث النبوية و الأقوال السلفية ، و من
رجالها الأئمة : مالك و الشافعي ،و سفيان الثوري و أحمد بن حنبل ، و الثانية أكثرت
من استعمال الاجتهاد القائم على الرأي و القياس ، و من رجالها : الإمام أبو حنيفة
و كبار أصحابه كمحمد بن الحسن ،و أبي يوسف يعقوب[24] . فأوجد هذا الاختلاف نزاعا مذهبيا بين المدرستين ، نتج عنه تعصب
مذهبي بين الطائفتين ظهرت بوادره الأولى منذ القرن الثاني الهجري و ما بعده ، و
الشواهد الآتية تُثبت ذلك بوضوح .




أولها إنه حدثت نزاعات و مهاترات ،و ردود بين المدرستين منذ زمن أبي حنيفة
النعمان المتوفى سنة 159هجرية[25] . و ثانيها هو أن الفقيه محمد بن شجاع الثلجي الحنفي(ت266ه) كان من
أصحاب الرأي يبغض أهل الأثر-أي أهل الحديث-و يتعصب عليهم ، حتى انتهى به الأمر إلى
الكذب عليهم ، فكان يضع –أي يختلق- الأحاديث في تشبيه صفات الله تعالى ،و ينسبها
إلى أهل الحديث ثلبا لهم ، و طعنا فيهم ،و تعصبا عليهم ، منها حديث عرق الخيل ، و
فيه : إن الله خلق الفرس فعرقت ، ثم خلق نفسه منها [26] . و كان هذا الرجل –أي ابن شجاع- يقول في أصحاب أحمد بن حنبل : ((
أصحاب أحمد بن حنبل يحتاجون أن يُذبحوا ))[27] . و كان أحمد بن حنبل يقول فيه: ابن شجاع الثلجي مبتدع صاحب هوى[28] .


و الشاهد الثالث يتعلق بالفقيه أصبع بن خليل القرطبي المالكي فإنه كان
يُعادي أهل الحديث و علمهم ،و لم تكن له معرفة بعلمهم ، حتى إنه رُوي أنه كان يقول
: (( لئن يكون في تابوتي رأس خنزير ، أحب إليّ من أن يكون مسند ابن أبي شيبة )) .
و في رواية أخرى أنه قال : (( لئن يكون في كتبي رأس خنزير أحب إليّ من أن يكون
فيها مصنف أبي بكر بن أبي شيبة [29].)) .و ابن شيبة هذا هو محدث توفي سنة 235ه هجرية .



و من تعصبه على أهل الحديث إنه كان
ينهي أهل العلم عن الاجتماع بالحافظ بقي
بن مخلد الأندلسي(ت 276ه ) ،و يحثهم على عدم الأخذ عنه ، لذا رُوي أن الفقيه قاسم
بن أصبع كان يدعوا عليه –أي علي ابن خليل- ،و يقول : هو الذي حرمني السماع من بقي
بن مخلد ، و ذلك أنه كان يحث والدي على منعي من الذهاب إلى بقي بم مخلد[30] .

و آخرها-أي الشاهد الرابع – يتعلق بالحافظ أبي
بشر الدولابي الحنفي (ت310ه) كان من أهل الرأي ، فاتُهم بالتعصب على المحدث نُعيم
بن حماد (ت310) ، لصلابته في السنة ، و تشدده على أهل الرأي[31] .


و بذلك يتبين مما ذكرناه أن التعصب الذي نعنيه في كتابنا هذا هو التعصب
المذهبي المذموم ، الذي مفاده الانتصار للباطل ، و هو التعصب الذي ذكرنا بوادره و
بداياته ، على مستوى الفرق و أصول الدين و فروعه ، خلال القرون الثلاثة الأولى
للهجرة ، حيث سيزداد-أي التعصب المذهبي- بعدها انتشارا و عمقا ، و خطورة و تأثيرا
منذ القرن الرابع الهجري و ما بعده . فما هي مظاهره ؟ ، و ما هي تفاصيله ؟ .











[1] ابن منظور الإفريقي: لسان
العرب ، بيروت ، دار صادر ، د ت ، ج1 ص: 607 .







[2] اللالكائي : اعتقاد أهل
السنة ، ج1 ص: 65 .







[3] ابن عبد البر : التمهيد ،
حققه مصطفى البكري ، المغرب ، وزارة الأوقاف ، 1387 ، ج 12 ، ص: 203 .







[4] ابن حجر العسقلاني: لسان
الميزان ، ط3 ، بيروت ، مؤسسة الأعلمي ،
1986 ، ج 3 ص: 275 .







[5] الذهبي: سيّر أعلام
النبلاء حققه بشار عواد ، بيروت ، مؤسسة
الرسالة ، ج 15 ص: 379 .







[6] نفس المصدر ، ج 18 ص: 333
.







[7] نفس المصدر ، ج 18 ص: 319
، 407 .







[8] لم يذكر ابن تيمية درجته ،
و قد بحثت ُعنه في كتب الحديث فلم أجده بذلك اللفظ ، و وجد قسما منه فقط ، و قد
ضعّفه الشيخ الألباني في تحقيقه لسنن الترمذي ، كتاب الفتن ، رقم : 3949 . لكن
الحديث يصلح شاهدا لما نحن فيه .







[9] ابن تيمية : دقائق التفسير
، ج 2 ص: 44 .







[10] انظر مثلا : عبد القاهر
البغدادي: الفرق بين الفرق ، حققه محي الدين عبد الحميد ، بيروت ، المكتبة العصرية
، 1995 ، ص: 14، 21 ، 24 ، 29 ، 72 .







[11] هم أتباع عمرو بن عبيد
البصري (ت142ه) ، اعتزل هو و أصحابه حلقة شيخه الحسن البصري (ت110ه) ، فسموا
بالمعتزلة .نفس المصدر ، ص: 20 .







[12] نفس المصدر ، ص: 114 و ما
بعدها .







[13] نفس المصدر ، ص: 211 .






[14] نفس المصدر ، ص: 216 .






[15] نفس المصدر ، ص: 26 .






[16] سنذكر الشواهد على ذلك في
الفصلين الأول و الثاني ، إن شاء الله تعالى .







[17] انظر مثلا : الشوكاني:
البدر الطالع ، بيروت ، دار المعرفة ، د ت ،
ص: 90، 91 . و ولي الله الدهلوي: الإنصاف في بيان أسباب الإختلاف ، حققه
عبد الفتاح أبو غدة ، بيروت ، دار النفائس ، 1983 ، ص: 68 و ما بعدها .







[18] انظر مثلا : الدهلوي : نفس
المصدر ، ص: 87 و ما بعدها .







[19] عبد القادرالقرشي: الجواهر المضيئة في طبقات
الحنفية ، كراتشي ، مير محمد كتب خانة ، د ت ،
ج 1 ص: 563 .







[20] أبو إسحاق الشيرازي: طبقات
الفقهاء ،حققه خليل الميس ، بيروت ، دار القلم ، د ت ، ص: 156 .







[21] الذهبي : الرواة الثقات
المتكلم فيهم بما لا يوجب ردا ، ط 4 ، حققه محمد الموصلي ، بيروت ، دار البشائر ،
1992 ، ص: 29، 30







[22] ابن حجر : اللسان ، ج 1 ص:
458 .







[23] نفس المصدر ، ج 5 ص:
41 .







[24] عمر سليمان الأشقر :
المدخل إلى دراسة المدارس و المذاهب الفقهية ن ط2 الأردن ، دار النفائس ، 1998 ،
19 و ما بعدها .







[25] عبد الله بن أحمد بن حنبل
: السنة ، حققه محمد القحطاني ، ط 1 ، الدمام ، دار ابن القيم ، 1406 ج1 ص: 180 و
ما بعدها .







[26] ابن عدي: الكامل في ضعفاء
الرجال ، حققه مختار عزاوي ، ط 3 ، بيروت ، دار الفكر ، 1988 . ج 6 ص: 291 .







[27] الذهبي: ميزان الاعتدال ،
ج 6 ص: 182 .







[28] الخطيب البغدادي: تاريخ
بغداد ، ج 5 ص: 350 .







[29] ابن حجر : اللسان ، ج 1 ص:
458 .







[30] نفسه ، ج 1 ص: 458 .






[31] نفس5 المصدر، ص: 41 .









الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shoura.yoo7.com/
رافع الهويدي
المشرف المتميز
المشرف المتميز
avatar

النــقاط : 4998


مُساهمةموضوع: التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي   2012-02-28, 03:00



الفصل
الأول



مظاهر
التعصب المذهبي في الحياة الاجتماعية



-خلال العصر الإسلامي-








أولا: سب الشيعة
للصحابة



ثانيا : اللعن و الطعن و الاتهامات
المختلفة




ثالثا : التكفير المتبادل بين الطوائف الإسلامية



رابعا :القتل و
محاولات القتل



خامسا : الفتن المذهبية بين الشيعة و
السنة



سادسا : الفتن المذهبية بين الطوائف السنية



سابعا : الفتن المذهبية بين السنة و الكرّامية



ثامنا : مظاهر أخرى للتعصب المذهبي في الحياة
الاجتماعية







مظاهر التعصب المذهبي في
الحياة الاجتماعية



-خلال العصر الإسلامي-






كان للتعصب المذهبي تأثير كبير على المسلمين في حياتهم الاجتماعية –خلال
العصر الإسلامي- ، فجرّهم إلى الفرقة و التناحر، و إلى السباب و المهاترات ،و
التكفير و اللعن ، و الفتن و المصادمات الدموية ، فما تفصيل ذلك ؟ ، و ما هي
أطرافه المشاركة فيه ؟ .



أولا : سب الشيعة للصحابة :



نقصد بالشيعة في بحثنا هذا ، هؤلاء الذين يسبون الصحابة و يطعنون فيهم ،و
يتنقصونهم ،و يُضللونهم ، و هم الذين يُعرفون أيضا بالرافضة لرفضهم الصحابة و من
يتولاهم[1] . و منهم : الشيعة الإسماعيلية ، و الاثنى عشرية ، و الزيدية
الجارودية ، و عليه فإن كل الشيعة –قديما و حديثا- رافضة سبابون ما عدا الزيدية
البترية و الزيدية السليمانية –باليمن- الذين لا يسبون الصحابة[2] .



و أشير هنا إلى أن الشيعة الإثنى عشرية و
الإسماعيلية هم أيضا من غلاة الروافض ، فهم لا يختلفون غلاة الشيعة إلا في درجة
الغلو[3] . و نحن في بحثنا هذا نستخدم مصطلح الشيعة و الرافضة بمعنى واحد ،
فإذا قلنا الشيعة فنعني أيضا الرافضة ، و إذا قلنا الرافضة فنعني أيضا الشيعة .







و أما بالنسبة لسبهم الصحابة
الكرام و طعنهم فيهم ، فإن تعصبهم المذهبي الأعمى هو الذي أوصلهم إلى ارتكاب هذه
الجريمة الشنعاء ، و الشواهد التاريخية التي تُدينهم و تفضحهم كثيرة جدا ، أذكر
بعضها في خمس مجموعات :




الأولى، و تضم أربعة شواهد ، الأول
مفاده أن سب الصحابة –رضي الله عنهم- كثُر زمن دول الشيعة أيام دولة بني بويه
ببلاد فارس و العراق (334-447ه) ، و بني حمدان بالشام (317-394ه) ، و دولة
العبيديين الإسماعيلية بالمغرب و مصر و الشام (297-567ه)[4] ، و دولة القرامطة الإسماعيلية بالبحرين ، و دولة الحشاشين
الإسماعيلية بقلعة ألموت ببلاد فارس (483-654ه) و الدولة الصفوية الإثنى عشرية
بإيران (907-1149ه) .




و الشاهد الثاني مفاده أن سب الصحابة في دولة العبيديين انتشر انتشارا
كبيرا بالمغرب و مصر ، فبالمغرب قُذف الصحابة جهارا نهارا ، و سُب رسول الله-عليه
الصلاة و السلام- ،و عُلّقت (( رؤوس حمير و كباش على الحوانيت و كُتب عليها أنها
رؤوس الصحابة )) .و في زمن ملكهم أبي القاسم محمد بن عبيد الله المهدي(ت343ه) سُبت
الأنبياء ، و كان مناديه يصيح : ألعنوا الغار و ما حوى[5] . و الغار المقصود هو غار حراء أو ثور، و الأرجح أنه غار ثور، لأن أبا
بكر كان فيه مع رسول الله –عليه الصلاة و السلام- ، و هم يسبون أبا بكر و
يبغضونه .



و أما بمصر فهي أيضا كان فيها سب الصحابة
فاشيا علانية من غير تستر و لا خفية ، حتى أن أعوان العبيديين كانوا يُنادون في
الناس أن من لعن الصحابة و سبهم له مكافأة مالية و مادية[6] . و من ملوكهم الذين سبوا الصحابة جهارا : العزيز بالله نزار بن المعز
العبيدي(ت 386ه) ، و أبو تميم المستنصر (ت487ه) [7] .




و الشاهد الثالث يخص سب الصحابة بمدينة الكوفة ، فقد كان سبهم فيها منتشرا
جدا ، فهي موطن الرفض و الطعن و اللعن ، حتى أن ذلك الوضع دفع المحدث محمد بن عبد
العزيز التميمي الكوفي إلى ترك ببلده الكوفة و الهجرة إلى بلد آخر ، و قال : (( لا
أقيم ببلد يُشتم فيه أصحاب رسول الله –صلى الله عليه و سلم- ))[8] .




و عندما ارتحل المحدث محمد بن علي الصوري البغدادي (ت442ه) إلى الكوفة
لسماع الحديث عند بعض شيوخها ،و أظهر بها
السنة ،و ترحّم على الشيخين أبي بكر و عمر-رضي الله عنهما- ثار عليه أهل الكوفة ،و
هموا بقتله ، فالتجأ إلى أبي طالب بن عمر العلوي ، و كان من السابين للصحابة ، فأجاره
و قال له : احضر كل يوم عندي ، و أرو لي ما سمعت في فضائل الصحابة ، فقرأ عنده
فضائلهم ، فتاب أبو طالب هذا ، و قال : عشت أربعين سنة أسب الصحابة ، و أشتهي أعيش
مثلها حتى أذكرهم بخير ))[9] .




و آخرها –أي الشاهد الرابع- مضمونه أنه كان بمدينة الري طائفة من الباطنية
الإسماعيلية يشتمون الصحابة ،و يسبونهم ، و يقذفونهم ، و يعتقدون ذلك ديانة ، و
كان ذلك في سنة 420هجرية[10] .







و أما المجموعة الثانية فتتضمن ثلاثة أمثلة من مجالس بعض الشيعة ، كانوا يقصدونها لسب الصحابة و ثلبهم ، أولها
مجلس كان يعقده جماعة من شيعة بغداد بمسجد يُعرف بمسجد براثا ، يجتمعون فيه لسب
الصحابة زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله (295-320ه ) [11] .




و المثال الثاني يخص مجلس المحدث الشيعي أحمد بن محمد الكوفي المعروف بابن
عقدة ( 332ه) ، كان مداوما على عقده بمسجد بالكوفة ، يملي فيه مثالب الصحابة[12] . و المثال الثالث يتعلق بما ذكره الفقيه محمد بن علي الشوكاني (ت
قرن: 12ه) ، و مفاده أنه كان في زمانه بعض جهلة الرافضة يعقدون مجالس للعوام في سب
الصحابة ، و يملون عليهم أخبارا مكذوبة ، و ينقلونها من كتب الرافضة . و ذكر
الشوكاني أنه تدخل شخصيا لدى إمام البلد في شأن هؤلاء ، و بعد أخذ و رد ، أمر بحبسهم
و عقابهم[13] .




و أما المجموعة الثالثة فتتضمن سب الشيعة للصحابة و لعنهم في مناسبة
عاشوراء ، و في بعض الفتن التي حدثت بينهم و بين الشيعة ببغداد ، من ذلك الحوادث
الآتية : أولها ما حدث سنة 351ه ، حيث كتب شيعة بغداد على أبواب مساجدهم لعن بعض
الصحابة ، منهم : معاوية بن أبي سفيان ، و أبو بكر الصديق ، و عمر بن الخطاب ، و
عثمان بن عفان –رضي الله عنهم- ، فاحتج أهل السنة لدى الحاكم البويهي الشيعي معز
الدولة ، فلم ينكر ما فعله هؤلاء ، و لم يُغيره و لم يستجب لهم . فعلّق ابن كثير
على ذلك بقوله : (( قبّحه الله ، و قبّح شيعته الروافض)) ، ثم قال أن البلاد التي
ينتشر فيها التشيع ، و إتباع الهوى ، و سب الصحابة ، سرعان ما يحل بها عقاب الله
عز وجل، و مثال ذلك الفاطميون ، فإنهم عندما اظهروا الرفض و المنكرات ، و سبوا خير
الخلق بعد الأنبياء ، كان جزاؤهم أن أخذ منهم الصليبيون معظم الشام ))[14] .




و الحادثة الثانية ما جرى بين السنة و الشيعة- هم اثنى عشرية- في فتنة سنة
482ه ، فكان مما حدث فيها أن سب الشيعة النبي-عليه الصلاة و السلام- و أزواجه و
أصحابه ، على مرآى و مسمع من علمائهم[15] . فعلّق ابن كثير على ذلك بقوله : (( فلعنة الله على من فعل ذلك من
أهل الكرخ-حي الشيعة ببغداد- ، و إنما حكيت هذا ليُعلم ما في طوايا الروافض من
الخبث و البغض لدين الإسلام و أهله ، و من العداوة الباطنة الكامنة في قلوبهم لله
و رسوله و شريعته ))[16] .




و الحادثة الثالثة مضمونها ما ذكره المؤرخ عبد الرحمن بن الجوزي(ت597ه) من
أن الشيعة ببغداد سنة 561 هجرية ، سبوا الصحابة ، و ضربوا بعض أهل السنة بحي الكرخ[17] .




و الحادثة الأخيرة-أي الرابعة- ما حدث ببغداد سنة 582 هجرية ، و فيها أحيى
الشيعة مناسبة عاشوراء ، فكان مما فعلوه أن سبوا الصحابة كأبي بكر و عمر ، و عثمان
و طلحة ، و عائشة أم المؤمنين –رضي الله عنهم- ، و كانوا يصيحون بقولهم : (( ما
بقي كتمان )) . و كانت فيهم امرأة تنشد لهم الأشعار في ثلب الصحابة ،و سبت عائشة و
قالت : ألعنوا راكبة الجمل ، و ذكرت حادثة الإفك ،و النبي –عليه الصلاة و السلام،
بأقبح الشناعات[18] .




و أما المجموعة الرابعة فهي تتضمن شواهد تاريخية لمواقف بعض أعيان الشيعة
من الصحابة ، في سبهم لهم و طعنهم فيهم ، و تعصبهم عليهم ؛ أولها يتعلق بالمفسر
محمد بن مروان السدي الكوفي(ق: 2ه) ، كان له مجلس لتفسير القرآن الكريم بالكوفة ،
كان يشتم فيه الشيخين أبا بكر و عمر بن الخطاب-رضي الله عنهما- علانية أمام طلابه[19] .




و الشاهد الثاني يخص الشاعر إسماعيل بن محمد الحِميري (ت178ه) ، كان غاليا
في التشيع يسب السلف في شعره، و يُبالغ في سب بعض الصحابة ،و يُفحش في شتمهم و
الطعن فيهم . و يُروى أنه هجا حتى والديه لأنهما كانا سنيين[20] .




و الشاهد الثالث يتعلق بالمحدث المغيرة بن سعيد الكوفي(ت 120ه) ، قال عنه
علماء الجرح و التعديل : كان من كبار الرافضة الكذابين ، يتنقّص أبا بكر الصديق و
عمر بن الخطاب و يسبهما[21] .




و الرابع يخص المحدث سهل بن أحمد الديباجي (ت 330ه) ، قال فيه بعض علماء
الجرح و التعديل : كان رافضيا خبيثا ، كتب على حائط داره : لعن الله أبا بكر و عمر
، و باقي الصحابة العشرة –أي المبشرون بالجنة- إلا علي بن أبي طالب[22] –رضي الله عنهم- .




و الشاهد الخامس يتعلق بالشاعر مهيار بن مرزويه (ت 482ه) ، كان مجوسيا ثم
أسلم على مذهب الشيعة ، فأصبح غاليا في الرفض يطعن في الصحابة ، فقال له بعض أهل
العلم : يا مهران انتقلت بإسلامك في النار من زاوية إلى زاوية أخرى ، فقال مهران :
و كيف ذاك ؟ ، قال له الرجل: لأنك كنت مجوسيا فأسلمت ، فصرت تسب الصحابة ))[23] .








و الشاهد السادس خاص بالشاعر المرتضي العلوي البغدادي (ت436ه) ، كان من
الذين يسبون الصحابة ، -رضي الله عنهم- و له مصنفات في سبهم و الطعن فيهم [24] . و الشاهد السابع يتعلق بالواعظ أبي الحياة محمد بن الفارس
البغدادي(ت596ه) ، كان يُكثر من سب الصحابة في مجالسه الوعظية ، فيضج الشيعة –الذين
في مجلسه- بالبكاء[25] .








و الشاهد الثامن يتعلق بأستاذ دار
الخلافة العباسية مجد الدين بن الصاحب البغدادي(ت 583ه) ، كان رافضيا سبابا مغاليا
، أحيى شعار الشيعة الإمامية ، و سب الصحابة علانية[26] .




و الشاهد التاسع خاص برجل شيعي يُعرف بخندق الأسدي[27] ، كان رافضيا يسب الشيخين أبا بكر و عمر –رضي الله عنهما- فقال يوما
لصاحب له : لو أن لي رجل يضمن لي عيالي بعدي لتكلمتُ في أبي بكر و عمر أمام الناس
، فضمن له صاحبه التكفل بعياله ، فقام خندق هذا و سب الشيخين ، فقام عليه الناس و
ضربوه حتى الموت[28] .







و الشاهد العاشر يتعلق بالشيعي علي
بن أبي الفضل الحِلي(ت755ه) ، قدم من مدينة الحِلة –بالعراق- إلى دمشق ، و دخل
الجامع الأموي و الناس يُصلون ، و بدأ يسب من ظلم آل محمد و يكرر ذلك من دون توقف
، و لم يصل مع الناس ، و لا صلى معهم الجنازة التي كانت حاضرة ، و ظل يكرر السب
بصوت مرتفع ، و كان ذلك سنة 755هجرية ، فلما تمت الصلاة جيء به إلى الحافظ ابن
كثير –كان في المسجد- فسأله : من ظلم آل محمد ؟ ، فقال : أبو بكر ، ثم رفع صوته
قائلا : لعن الله أبا بكر ، و عمر ،و عثمان ، و معاوية ، و يزيد ، و أعاد ذلك
مرتين أمام الناس ، فأمر القاضي الشافعي –كان حاضرا- بسجنه ، ثم طلبه القاضي
المالكي و جلده بالسياط ، و هو يصرخ بالسب و اللعن و الكلام الباطل [29] .








و آخرها-أي الشاهد الحادي عشر-
مضمونه أن رجلا شيعيا اسمه محمد بن إبراهيم الشيرازي(ت766ه) دخل الجامع الأموي
بدمشق سنة 766هجرية ، و هو يسب الشيخين أبا بكر و عمر-رضي الله عنهما- و يلعنهما ،
فأُخذ إلى القاضي المالكي جمال الدين المسلاتي، فاستتابه عن ذلك فلم يتب ، فأمر
بالضراب فأول ضربة قال : لا إله إلا الله علي ولي الله ؛ فلما ضربه ثانية لعن أبا
بكر و عمر ، فهجمت عليه العامة و أوسعوه ضربا حتى كاد يهلك ، و لم يستطع القاضي
تخليصه منهم ، و مع ذلك كان-أي الرجل الشيعي- يسب الصحابة و يقول : إنهم كانوا على
ضلالة[30] .








و أما المجموعة الأخيرة-أي الخامسة- فتضم شواهد متفرقة عن سب الشيعة
للصحابة و بغضهم لهم و تشفيهم فيهم و استهزائهم بهم ، أولها –أي الشواهد- ما رواه
الأديب الفقيه ابن قتيبة الدينوري(ت276ه) بإسناده إلى شبابة بن سوار إنه قال : ((
سمعتُ رجلا من الرافضة يقول : رحم الله أبا لؤلؤة ، فقلتُ : تترحم على رجل مجوسي
قتل عمرا ابن الخطاب –رضي الله عنه- ! ، فقال : كانت طعنته لعمر إسلامه ))[31] .



و
ثانيها ما رواه القاضي إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة (ت قرن:3ه) فإنه قال : كان لنا جار شيعي له بغلان ، سمى
أحدهما أبا بكر ، و الآخر عمر ، فضربه ذات يوم البغل الذي سماه عمر ، فمات-أي
الرجل هو الذي مات- !![32] .




و ثالثها ما رواه ابن الجوزي، من أن العوام-من أهل السنة- ببغداد دخلوا
مشهدا- قبر عليه مسجد- للعلويين بمقابر قريش فوجدوا فيه أشياء كثيرة من بينها كُتب
فيها سب للصحابة ، و أمور أخرى قبيحة [33] .








و رابعها ما ذكره الشيخ تقي الدين
بن تيمية (ت728ه) من أن الرافضة-أي الشيعة- جرهم تعصبهم و جهلهم إلى التعصب
للأسماء ، فيبغضون من اسمه عمر و أبا بكر ، و يُحبون من اسمه عليا و جعفر ، و
الحسن و الحسين ، و إن كان فاسقا ، و قد يكون سنيا . كما أنهم يبغضون بني أمية كلهم
لكون بعضهم كان ممن يبغض عليا ، رغم أن في بني أمية قوما صالحون قبل الفتنة[34] ، و بعدها أيضا كعمر بن عبد العزيز .




و الشاهد الخامس ما ذكره ابن تيمية أيضا ، فقال إن بعض الرافضة ، يعمدون
إلى نعجة حمراء يسمونها عائشة ، ثم ينتفون شعرها . و يعمد آخرون إلى دواب يسمون
بعضها أبا بكر و أخرى عمر ، ثم يضربونها بغير حق[35] .




و الشاهد السادس يقطر حقدا و كراهية للصحابة –رضي الله عنهم-، مفاده أن بعض
الرافضة سمع الصوفي المعروف بالرِعب (ت750ه ) يمدح الشيخين أبا بكر الصديق و عمر
بن الخطاب –رضي الله عنهما- ، فانزعج -أي ذلك الشيعي- و قطع لسان ذلك الصوفي [36].






و آخرها –أي الشاهد السابع – ما رواه
المؤرخ أحمد المقري التلمساني من أن جده حكى أن سنيا مغربيا ذكر أنه لما كان
بالمدينة المنورة رأى ذات يوم رافضيا أقدم و بيده فحمة ، فكتب على جدار قريبا منه
: من كان يعلم أن الله خالقه فلا يُحب أبا بكر و عمر ، و انصرف )) ، فتنبه ذلك
الرجل السني إلى أمر لطيف ، فمحى كلمة يحب
و جعل مكانها : يسب ، فأصبحت العبارة : فلا يسب ، ثم عاد-أي السني- إلى
مكانه . فلما رجع الرافضي تنبّه لما حدث، و جعل (( يلتفتُ يمينا و شمالا ، كأنه
يطلب من صنع ذلك )) ، ولم يتهم الرجل المغربي ، ثم انصرف لما أعياه الأمر[37] .




و بذلك يتبين مما ذكرناه أن ظاهرة سب الشيعة للصحابة كانت منتشرة بينهم
كثيرا . و أنها دليل دامغ على ما يكنه هؤلاء للصحابة من بغض و كراهية ، بسبب
التعصب المذهبي الذي أعمى قلوبهم و عقولهم . فما هي ردود فعل أهل السنة تجاههم ؟ .




لقد تمثلت ردودهم في التصدي لهم و عدم السكوت عنهم ، باستخدام عدة وسائل
لمقاومتهم ، أولها إصدار أحكام شرعية في الشيعة لسبهم أصحاب رسول الله-عليه الصلاة
و السلام- ، منها ما قاله الإمام سفيان
الثوري(ت 161ه ) ، فعندما سُئل عمن يشتم
أبا بكر –رضي الله عنه- قال : كافر بالله العظيم لا يُصلى عليه[38] .








و منها ما قاله الإمام مالك بن أنس
(ت 179ه) ، فقد ذهب في رواية عنه إلى القول بتكفير من يسب الصحابة[39] . و منها أيضا موقف الحافظ
أبي زرعة الرازي(ت260ه) فقد قال : (( إذا رأيت الرجل يتنقص أحدا من أصحاب
رسول الله –صلى الله عليه وسلم – فاعلم أنه زنديق ))[40] .




و منها ما قاله القاضي أبو يعلى الفراء (ت 458ه) ، فذكر أن الذي عليه
الفقهاء في مسألة سب الصحابة ، هو إن كان الساب مستحلا لذلك كفر ، و إن لم يكن
مستحلا فسق و لم يكفر[41] . و منها أيضا ما ذهب إليه الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت620ه) ،
من أن من سب الصحابة كالروافض ، فهو فاسق ،و لا يُكفّر ، و لا تُقبل شهادته[42] .







و منها –أي الأحكام- ما قاله الشيخ
تقي الدين بن تيمية ، من أن الذين يسبون الصحابة سبا لا يقدح في عدالتهم ، و لا في
دينهم كوصف بعضهم بالبخل و الجبن ، أو عدم الزهد ، فهذا يستحق صاحبه التأديب و
التعزير ، و لا يُحكم بكفره لمجرد ذلك ، و على هذا يُحمل كلام من لم يُكفرهم من
العلماء ، لكنهم اختلفوا في تكفير من لعن و قبّح مطلقا ، لتردد (( الأمر بين لعن
الغيظ و لعن الاعتقاد))[43] .




و منها أيضا ما ذهب إليه الحافظ الذهبي ، فذكر أن من أبغض الشيخين أبا بكر
و عمر ، و اعتقد إمامتهما فهو رافضي مقيت ، و من سبهما و اعتقد أنهما ليسا أمامي
هُدى ، فهو من غلاة الرافضة ، أبعدهما الله[44] .




و ذكر الحافظ ابن كثير(ت774ه) أن الفقهاء أجمعوا على تكفير من قذف عائشة أم
المؤمنين-رضي الله عنها- ، و قال إن الأصح أيضا تكفير من يقذف باقي أمهات المؤمنين[45] .




و أشير هنا إلى أنه في سنة 458هجرية ، صدر بيان من دار الخلافة ببغداد نص
على تكفير من سب الصحابة و أظهر البدع [46] . و هو موجه -بلا شك – ضد الشيعة ، فهم الذين يسبون الصحابة و أظهروا
سبهم مرارا ببغداد ، كما سبق أن ذكرناه .




و الوسيلة الثانية –من ردود السنة على الشيعة في سبهم للصحابة- هي التصدي
للشيعة بالقوة ، و الدخول معهم في مواجهات و مصادمات دامية ، كما حدث بمدينة بغداد
و غيرها من المدن ، و سنذكر ذلك بالتفصيل في مبحث الفتن الطائفية بين السنة و
الشيعة فيما يأتي من هذا الفصل ، إن شاء الله تعالى .




و الوسيلة الثالثة معاقبة من يسب الصحابة أشد العقاب ، و قتل من يصر على
تضليلهم –أي الصحابة- و تكفيرهم [47] . و سنذكر على ذلك بعض النماذج في مبحث لاحق بحول الله تعالى .







و الوسيلة الرابعة عدم السكن في أحياء الشيعة ، و هجرها إلى بلدان لا يُوجد
فيها سب الصحابة ، من ذلك ما حدث للفقيه أبي بكر الخلال البغدادي(ت311ه) ، فإنه
لما ظهر سب السلف ببغداد هجر بيته[48] . و كان المحدث محمد بن عبد العزيز التميمي يسكن بالكوفة ، -موطن
الرفض- ثم هجرها ، و قال : (( لا أقيم ببلد يُشتم فيه أصحاب رسول الله-صلى الله
عليه و سلم-))[49] .








و منهم الفقيه عمر بن الحسين الخرقي الحنبلي البغدادي (ت 334ه) هجر مدينة
بغداد لما ظهر فيها سب الصحابة ، و استقر بمدينة دمشق[50] . و منهم أيضا أن فقيها سنيا
بغداديا مر يوما بحي الكرخ الشيعي ، فسمع به ذم الصحابة و التعريض بهم ، فأخذ على
نفسه عدم الاقتراب بذلك الحي[51]-أي الكرخ- .




و من طريف ما يُروى –في هذا الموضوع- أن المحدث سلمة بن شبيب النيسابوري (ت
قرن: 3ه) عندما قرر الارتحال إلى مكة و الاستقرار بها ، باع داره و أخبر جاره
بالأمر ، و أنه سيرحل إلى مكة المكرمة ، ثم سلّم عليه ،و قال له إنه لم ير منه إلا
خيرا ، فرد عليه الجار بالشكر ، و أخبره أنه هو أيضا عازم على الارتحال إلى مكة ،
لأن الذي اشترى منه الدار –أي دار المحدث سلمة- هو رجل رافضي يشتم أبا بكر و عمر و
باقي الصحابة[52]-رضي الله عنهم- .




و الوسيلة الخامسة منع الذين يسبون الصحابة من حضور المجالس العلمية السنية
، و هذه الوسيلة استخدمها بعض علماء أهل السنة ، من ذلك أن الحافظ أبا الأحوص سلام
بن سليم الكوفي (ت179ه) كان إذا مُلئت داره بالمحدثين يقول لابنه : أنظر فمن رأيت
يشتم الصحابة فأخرجه [53] .








و ربما يقول بعض الناس : ألم يكن
السنيون هم أيضا متعصبين في استخدامهم لتلك الوسائل ردا على الشيعة في سبهم
للصحابة و طعنهم فيهم ؟ . إنهم لم يكونوا
متعصبين –بالمعنى المذموم – لأنهم انتصروا للحق و تعصبوا له ، و لم ينتصروا للباطل و لا تعصبوا له ، لأن سب
الصحابة هو التعصب الأعمى و الجريمة الشنعاء ، و الدفاع عنهم هو الحق المبين
المعروف بالضرورة من دين الإسلام .








و ختاما لما سبق أُشير هنا إلى فائدتين غاية في الأهمية ،
الأولى مفادها أن آل البيت –رضي الله عنهم- لم يكونوا يسبون الشيخين ، فعندما قيل
لأبي جعفر الباقر(ت قرن:2ه) : هل كان أحد من أهل البيت يسب أبا بكر و عمر ؟ قال :
معاذ ، بل يتولونهما و يترحمون عليهما[54] . و كان ابنه جعفر الصادق يبغض الرافضة-السبابون- و يمقتهم[55] .








الفائدة الثانية مفادها إن سب
الصحابة جريمة نكراء ، لا يفعلها إلا شقي
جاهل غبيي ، مبتدع ضال ماكر خبيث ، لأن النصوص الشرعية القطعية الثبوت و الدلالة
شهدت لهم-أي للصحابة- بالإيمان و الفضل ، و العمل الصالح
، كقوله تعالى: ((كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ )) – سورة آل
عمران/ 110- ، و (( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ
عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي
قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ))-
سورة الفتح / 18 - ، و (( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ))- سورة التوبة/ 100- و
تعليقا على الآيات الأخيرة يقول ابن كثير : (( فقد أخبر الله العظيم أنه رضي عن
السابقين الأولون من المهاجرين و الأنصار ، والذين اتبعوهم بإحسان ، فيا ويل من
أبغضهم أو سبهم ، أو أبغض أو سب بعضهم ، و لاسيما الخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي
قحافة –رضي الله عنه- ، فإن الطائغة المخذولة من الرافضة يُعادون أفضل الصحابة ، و
يبغضونهم و يسبونهم عياذا بالله من ذلك ، و هذا يدل على أن عقولهم معكوسة و قلوبهم
منكوسة ، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم ؟ ، و أما أهل
السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه ، و يسبون من سبه الله و رسوله ، و يوالون من
يوالي الله ، و يُعادون من يُعادي الله ))[56] .



ثانيا : اللعن و الطعن و اتهامات
أخرى :




نخصص هذا المبحث لما كان يحدث بين الطوائف الإسلامية من لعن و طعن ، و قدح
و تشهير ، و ذم و تنقيص، و غيرها من الاتهامات ، ليتبين لنا ما كانت تكنه تلك
الطوائف لبعضها بعض من حقد و كراهية ، و حسد و تآمر ، بسبب التعصب المذهبي الذي غلب عليها و سيطر على
المشاعر و العقول ، و قد تجلى ذلك في
مظاهر كثيرة ، منها أولا : اللعن المتبادل بن الأفراد و الجماعات ، من ذلك الشواهد الآتية :



أولها إنه لما حدث خلاف بين أصحاب الفقيه ابن
خزيمة (ت311ه) في مسألة كلام الله تعالى ، بتأثير من الكلابية أتباع عبد الله بن
كلاب البصري (ت284ه) ، قال ابن خزيمة : (( و من نظر في كتبي تأكد له أن الكلابية لعنهم
الله كذبة فيما يحكون عني ))[57] .








و ثانيها، ما ذكره الحسين بن
أمامة المالكي ، فقال إنه سمع أباه يلعن المتكلم أبا ذر الهروي الأشعري (ت قرن:
5ه) بقوله : (( لعن الله أبا ذر الهروي ، فإنه أول من أدخل الكلام إلى الحرم –أي
المكي- ،و أول من بثه في المغاربة ))[58] .







و الشاهد الثالث ما رواه ابن حزم
الظاهري ، من أن أحد الأشاعرة بمصر ، كان ينكر تكلم الله تعالى بالقرآن ، و يلعن
من يقول ذلك ألف لعنة . ثم عقّب عليه ابن حزم بقوله : إن من يقول ذلك ، عليه ألف
ألف لعنة تترى ، ثم وصف الطائفة التي تقول ذلك –أي الأشعري- بأنها الطائفة
الملعونة[59] .








و الشاهد الرابع ما حدث من تلاعن
بين أهل السنة ببغداد وكبير المعتزلة ابن الوليد (ت478ه) ، فإنه لما خرق الحصار
المضروب عليه ، و درّس مذهبه للناس ، و لم يصل في الجامع ( سنة 456ه) ، هجم عليه
قوم من أصحاب الحديث ، فسبوه و لعنوه و
ضربوه حتى أدموه ، فصاح صياحا شديدا ،و لعن لاعنيه ، و دخل بيته ، ثم فرّ مهاجموه
خوفا من أصحاب الحي ، و خرج أهل السنة على إثر ذلك إلى جامع المنصور ، و لعنوا
المعتزلة . و قد لُعنت المعتزلة مرارا زمن شيخها ابن الوليد هذا[60] .








و الشاهد الخامس يتعلق بالحافظ عبد
الله الأنصاري الهروي الحنبلي الصوفي (ت قرن: 5ه) ، فإنه كان يلعن أبا الحسن
الأشعري جهارا بمدينة هراة . و عندما سأله
الشافعية و الحنفية – في حضرة الوزيرالسلجوقي نظام الملك- عن سبب لعنه للأشعري ،
قال لهم : لا أعرف الأشعري ، و إنما ألعن من لم يعتقد إن الله في السماء ، و إن
القرآن في المصحف، و إن النبي اليوم نبيا[61] .






و الشاهد السادس مفاده أن القاضي الحنفي
أبا نصر أحمد الصاعدي النيسابوري (ت482ه) كان شديد التعصب لمذهبه الحنفي ، و شجع
عليه ، فأدى عمله إلى اشتداد التعصب بين العلماء فيما بينهم ، و بين الطوائف
المذهبية فيما بينها أيضا ، حتى لعنت بعضها بعضا على المنابر زمن دولة السلطان
السلجوقي طغرلبك (ت 455ه ) ، و لم يُرفع ذلك إلا بمجيء نظام الملك (ت 485ه) إلى
الوزارة[62] .




و الشاهد السابع مضمونه أنه لما دخل الواعظ الحسن بن أبي بكر النيسابوري
الحنفي بغداد ، بين سنتي: 515-530ه ، كان
يلعن أبا الحسن الأشعري جهارا نهارا ، تحت حماية السلطان السلجوقي مسعود[63].



و الشاهد الثامن هو أنه لما كان الواعظ أبو
الفتوح الاسفراييني الأشعري (ت 538ه) ببغداد و بالغ في الانتصار للأشعرية ، كثُرت
اللعنات بينه و بين الحنابلة ، و في اليوم الذي تُوفي فيه الزاهد ابن الفاعوس
الحنبلي (ت 521ه) كان العوام ببغداد يصيحون : هذا يوم سني حنبلي ، لا قشيري و لا
أشعري ، و تعرّضوا فيه للواعظ أبي الفتوح ، و رجموه في الأسواق ،و لعنوه و سبوه[64] .



و آخرها-أي الشاهد التاسع- هو أنه في سنة
555هجرية ، اجتمع صبيان من جهلة أهل الحديث بجامع القصر ببغداد ، و قرؤوا شيئا من
أخبار الصفات ،و ذموا المؤولين لها –أي الأشاعرة- ثم لعنوا الحافظ أبا نُعيم
الأصفهاني –المتأثر بالأشعرية- و سبوه و كتبوا ذلك على بعض مصنفاته ، فتدخلت سلطة
بغداد و منعت المحدثين من قراءة الحديث بجامع القصر[65] .




و ثانيا إن من تلك المظاهر المتعصبة أيضا : الذم و التهكم و التنقيص ، و
منها الأمثلة الآتية ، أولها يتعلق بالفقيه أبي عثمان بن الحداد الإفريقي (ت302ه)
، كان مالكيا ثم مال إلى مذهب الشافعي ، و أصبح يتنقّص بعض الكتب المعظمة عند
المالكية ، فسمى كتاب المدونة بالمدودة ، فهجره المالكية ، ثم عادوا و أحبوه عندما
تصدى لداعية العبيديين أبي عبد الله الشيعي(ت297ه)، و ناظره و نصر المذهب السني[66] .



و المثال الثاني هو أنه في فتنة ابن القشيري
ببغداد[67] ذم كبار علماء الأشاعرة- في
رسالتهم إلى الوزير نظام الملك- خُصومهم الحنابلة ذما شنيعا ، و وصفوهم له
بأنهم رعاع أوباش ، مجسمة مبتدعة ، شرذمة
أغبياء من أراذل الحشوية ، رفضوا الحق لما جاءهم على يد أبي نصر بن القشيري[68].







و المثال الثالث يخص تهكم القاضي أبي المعالي عزيزي بن عبد الملك الشافعي
الأشعري (ت494ه) بخصومه الحنابلة ، و ذلك كان قاضيا على حي باب الأزج ببغداد ، الذي
غالبية سكانه حنابلة ، فكان بينه و بينهم خصام و مهاترات ، فيُروى أنه في أحد
الأيام سمع رجلا يُنادي على حمار له ضاع منه ، فقال القاضي : (( يدخل باب الأزج ،و
يأخذ بيد من شاء )) . و قال يوما لأحد أصحابه عن الحنابلة : (( لو حلف إنسان إنه
لا يرى إنسانا ، فرأى أهل باب الأزج لم يحنث ، فقال له صاحبه : من عاشر قوما
أربعين يوما فهو منهم )) ، لذا فإنه –أي القاضي- عندما مات فرح الحنابلة بموته
كثيرا[69] . ففي قوله الأول ألحقهم بالحمير صراحة ، و في الثاني نفى عنهم صفة
الأدمية ، و ألحقهم بالحيوانات ضمنيا ، ثم ألحقه صاحبه هو أيضا بهم ، بحكم إنه
معاشر لهم .








و آخرها- أي المثال الرابع – يتعلق بتهكم و تنقّص بعض الشافعية بالحنفية و
استهزائهم بهم في كيفية الصلاة عندهم ، انتصارا للمذهب الشافعي و ردا على معارضيه
، و مفاده –أي المثال- أن السلطان محمود بن سبكتكين (ت قرن:5ه ) لما أراد أن يُفاضل بين المذهبين الحنفي و
الشافعي ليتمذهب بأحدهما ، جمع الفقهاء بمدينة مرو و أمرهم بالبحث في أي المذهبين
أقوى ، فوقع الاختيار على أن يصلي كل طرف ركعتين يدي السلطان على المذهبين ، فقام
الفقيه الشافعي أبو بكر القفال و صلى بوضوء مُسبغ ، و سترة ، و طهارة ، و قبلة ، و
باقي الأركان التي لا يُجوّز الشافعي الصلاة دونها . ثم صلى-أي القفال- صلاة ((
على ما يُجوّزه أبو حنيفة ، فلبس جلد كلب مدبوغ قد لُطخ رُبعه بنجاسة ، و توضأ
بنبيذ ، فاجتمع عليه الذباب ، و كان وضوءا مُنكسا ، ثم كبّر بالفاريسية ، و قرأ
بالفاريسية : دو بركك سبز . و نقر و لم يطمئن ، و لا رفع من الركوع ، و تشهّد و
ضرط-أي أخرج الريح- بلا سلام)) ، فقال له السلطان : (( إن لم تكن هذه الصلاة
يُجيزها الإمام قتلتك )) ،فأنكرت الحنفية تلك الصلاة ، فأمر القفال بإحضار كتبهم
فوجدوا الأمر كما قال القفال ، و تحوّل السلطان محمود إلى المذهب الشافعي . [70]



و قد علّق حجة الإسلام أبو حامد الغزالي
الشافعي(ت505ه) على تلك الصلاة –أي صلاة الحنفية- بقوله : (( و الذي ينبغي أن يقطع
به كل ذي دين أن مثل هذه الصلاة ، لا يبعث الله لها نبيا ، و ما بعث محمد بن عبد
الله –صلى الله عليه و سلم- لدعوة الناس إليها ، و هي قطب الإسلام و عماد الدين ))
، و قد زعم أبو حنيفة أن هذا (( القدر –من الصلاة- أقل من الواجب ، فهي الصلاة
التي بُعث لها النبي ، و ما عداها آداب و سنن ))[71] .






و واضح من هذه الحادثة أن التعصب المذهبي
كان من الطائفتين ، فالشافعية تعصبوا لمذهبهم بالتهكم و الاستهزاء من كيفية الصلاة
في المذهب الحنفي . و الحنفية حملهم تعصبهم لمذهبهم إلى الانتصار له بالباطل ،
عندما أنكروا أمرا صحيحا ثابتا في مذهبهم لا يمكنهم إخفاؤه .




و ثالثا إن من تلك المظاهر المتعصبة أيضا : الطعن و القدح و السب ، و نذكر
على ذلك خمسة شواهد ، أولها إنه كان زمن الخليفة العباسي المتوكل على الله
(232-247ه) جماعة من الرافضة الإمامية يجتمعون فيما بينهم لتدارس الرفض ، و سب
الصحابة و شتم السلف[72] .




و الشاهد الثاني مضمونه أن شيخ الشيعة المفيد بن محمد(ت 413ه ) صنف كتبا
كثيرة في مذهب الشيعة فيها الطعن على الصحابة و التابعين و الأئمة المجتهدين ،
فكانت سببا في تضليل خلق من الناس و هلاكهم[73] .




و الشاهد الثالث يتعلق بالفقيه أبي جعفر محمد الطوسي (ت460ه) ، كان شافعيا
ثم تحوّل شيعيا إماميا ، و أصبح يتنقص السلف ، فضيّق عليه أهل السنة عندما كان
ببغداد ، فاختفى عن الأنظار و ارتحل إلى الكوفة[74] مركز الشيعة الإمامية .



و الشاهد الرابع خاص بالواعظ أبي بكر
البكري الأشعري ، فإنه عندما دخل بغداد سنة 475ه ، بأمر من الوزير نظام الملك ، و
أظهر مذهبه الأشعري علانية ، دخل في نزاع مع الحنابلة ، فكان يشتمهم و يستخف بهم ،
فحدث بينه و بينهم سباب و خصام[75] .








و الشاهد الخامس يتضمن كلاما للقاضي أبي بكر بن العربي (ت 543ه) في الحنابلة و أهل الحديث ، فقال
فيهم كلاما غليظا[76] ، و وصفهم بأوصاف شنيعة ، فجعلهم ممن كاد للإسلام
، و لا فهم لهم ، و ليس لهم قلوب يعقلون بها ،و لا آذان يسمعون بها ، فهم كالأنعام
بل هم أضل . و عدّهم من الغافلين الجاهلين في موقفهم من الصفات ،و شبههم باليهود
،و قال أنه لا يُقال عنهم : بنوا قصرا و هدّموا مصرا ، بل يُقال : هدموا الكعبة ،و
استوطنوا البيعة[77] –أي كنيسة اليهود- .




و
يتبين مما ذكرناه في هذا المبحث أن ما استعملته الطوائف المذهبية من لعن و ذم ، و اتهامات و تشنيعات ، هو دليل قاطع على ما وصلت
إليه من تعصب و نزاع ، و قسوة و تنافر ،و ما تكنه لبعضها بعض من حقد و كراهية و
بغضاء ، بسبب التعصب المذهبي الذي سيطر
عليها .



ثالثا : التكفير المتبادل بين
الطوائف الإسلامية :




جر التعصب المذهبي الطوائف الإسلامية إلى التكفير و التضليل ، انتصارا
للمذهب و تعصبا على المخالف ، و الشواهد التاريخية على ذلك كثيرة جدا ، أذكر منها
طائفة حسب الموضوعات الآتية :







أولا: تكفير الشيعة للصحابة و لكل من يخالفهم ، و الشواهد على ذلك كثيرة ،
أولها إن الشيعي عمرو بن ثابت الكوفي (ت 172ه
)كان يسب السلف ـ و يقول : (( كفر الناس بعد رسول الله إلا أربعة ))[78] .




و ثانيها إن الشيعي عيسى بن مهران المستعطف البغدادي (ت قرن :3ه ) كان يطعن
في الصحابة و يُكفرهم و يُضللهم و يُفسّقهم ، و قد وصفه الخطيب البغدادي (ت 463ه
)بأنه كان كذابا من شياطين الرافضة و مردتهم[79] .




و ثالثها ما ذكره إمام الشيعة الإثنى عشرية و ثقتهم محمد بن يعقوب
الكُليني(ت329ه) في كتابه : الكافي –الأصول- ، فقد نص فيه صراحة –حسب رواياته
المكذوبة- على أن الناس – أي كل المسلمين- ارتدوا بعد الرسول –صلى الله عليه و
سلم- . و أكد صراحة على كفر كل من لم يُؤمن بأئمة الشيعة الإثنى عشرية[80] .












[1] الذهبي: السير ، ج 7 ص:
370 ، ج14 ص: 511 ، ج16 ص: 458 . و أبو الحسين بن أبي يعلى الفراء: طبقات الحنابلة
حققه محمد حامد الفقي ، مصر ، مطبعة السنة المحمدية ، 1962 ، ج 1 ص: 36 ، 182 .
أبو يعلى الفراء: المعتمد في أصول الدين ، حققه وديع زيدان ، بيروت ، دار المشرق ،
1973 ص: 211 .







[2] عنهم أنظر : عبد القاهر
البغدادي : الفرق بين الفرق ، ص : 32 ، 33
.







[3] ابن حزم : الإحكام في أصول
الأحكام ، ط 1 ، القاهرة دار الحديث ، 14-4
، ج 4 ص: 586 . و الذهبي : المصدر السابق ، ج 15 ص: 152، 160، 458. و ابن
خلدون : المقدمة ، ط5 ، بيروت ، دار القلم ، 1984 ،و ط : دار الكتب العلمية ، 1993 ص: 199 .







[4] انظر مثلا : ابن كثير :
البداية و النهاية ، بيروت ، مكتبة
المعارف ، د ت ، ج 11 ص: 233 .







[5] اذهبي: السير ، ج 15 ص:
152، 154 .







[6] ابن تيمية : مجموع الفتاوى
، جمعه ابن القاسم ، الرياض ، 1381 ج 28 ص: 236، 636. و ابن تغري بلدي: النجوم
الزاهرة ، مصر ، المؤسسة المصرية العامة
للكتاب ، د ت، ج4 ص: 218 .







[7] الذهبي : المصدر السابق ،
ج 15 ص: 170، 196 .







[8] ابن أبي حاتم : الجرح و
التعديل ، ج8 ص: 6 .







[9] ابن الجوزي: المنتظم ، ط 1
، بيروت ، دار صادر ، 1358ه ج 8 ص:
143 .







[10] نفس المصدر ، ج 8 ص: 38،
39 .







[11] نفس المصدر ، ج 6 ص: 195 .







[12] ابن كثير : البداية ، ج 11
ص: 209 .







[13] الشوكاني: البدر الطالع ،
ج 2 ص: 347 .







[14] ابن كثير : البداية ، ج 11
ص: 241 .
[/color:3d



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shoura.yoo7.com/
رافع الهويدي
المشرف المتميز
المشرف المتميز
avatar

النــقاط : 4998


مُساهمةموضوع: التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي   2012-02-28, 03:08



أولها ما حدث سنة 393هجرية بين الشافعية و
الحنفية ببغداد ، سببها أن شيخ الشافعية أبا حامد الإسفراييني (ت406ه) أستطاع أن
يُؤثر في الخليفة العباسي القادر بالله ، و يُقنعه بتحويل القضاء من الحنفية إلى
الشافعية ، فلما فعل ذلك احتج الحنفية و
دخلوا في مصادمات مع الشافعية[1] . و هذه الفتنة عثرتُ عليها
عند المقريزي ، و لم يذكر تفاصيلها و لا مآلها ؛ لكن المعروف أن القضاء بقي بأيدي
الحنفية ببغداد ، مما يعني أن الخليفة قد تراجع عن موقفه و أعاد القضاء للحنفية .








كما أن هذه الفتنة لها خلفيات بسبب التعصب المذهبي القائم بين الطوائف
السنية ، لأنه ليس من العدل أن تحتكر طائفة منهم القضاء دون الطوائف الأخرى ؛ لأن
كل طائفة تريد أن تتولى القضاء و تحتكم فيه إلى مذهبها ، و لا تحتكم إلى غير
مذهبها .







و الفتنة الثانية حدثت بمدينة مرو ببلاد خُراسان بين الشافعية و الحنفية ، عندما غيّر الفقيه
منصور بن محمد السمعاني المروزي(ت 489ه) مذهبه ، فقد كان حنفيا مدة ثلاثين سنة ،
ثم تحوّل إلى المذهب الشافعي ، و أعلن ذلك بدار الإمارة بمدينة مرو بحضور أئمة
الحنفية و الشافعية ، فاضطرب البلد لذلك ، و هاجت الفتنة بين الشافعية و الحنفية ،
و دخلوا في قتال شديد ، و عمّت الفتنة المنطقة كلها ، حتى كادت تملأ ما بين
خُراسان و العراق ن لكن السمعاني ظل ثابتا على موقفه و لم يتراجع عنه ، لكنه اضطر
إلى الخروج من مدينة مرو ، و الانتقال إلى مدينة طوس ، ُثم إلى نيسابور ، ثم عاد
إلى مرو بعد سكون الفتنة[2] .








و الفتنة الثالثة حدثت بين الحنابلة و الشافعية ببغداد سنة 573 هجرية ، و
ذلك أنه عندما تُوفي خطيب جامع المنصور محمد بن عبد الله الشافعي سنة 537 هجرية ،
و منع الحنابلة من دفنه بمقبرة الإمام أحمد بن حنبل ، لأنه شافعي و ليس حنبليا ،
حدثت فتنة بين الطائفتين تدخل على إثرها الخليفة العباسي المقتفي(530-555ه) و
أوقفها ، و أفشل محاولة الحنابلة منع دفن المتوفى بمقبرتهم ، و أمر بدفنه فيها ،
فتمّ ذلك[3] .




و واضح من هذه الفتنة أن التعصب
المذهبي كان على أشده بين الحنابلة و الشافعية ، حتى أنه أوصل الحنابلة إلى رفض
دفن رجل مسلم شافعي بمقبرتهم بالمعروفة باسم إمامهم ، ثم الدخول في مواجهات مع
الشافعية ، و هذا غريب جدا يأباه الشرع و العقل مهما كانت المبررات .








و الفتنة الرابعة حدثت بأصفهان –ببلاد فارس- بين فقهاء أصحاب المذاهب سنة
560 هجرية ، كان في مقدمتهم عبد اللطيف الخُجنّدي الشافعي ، مع مخالفيه من المذاهب
الأخرى ، فحدثت بينهم فتنة كبيرة بسبب التعصب للمذاهب ، فخرج المتعصبون إلى القتال
لمدة 8 أيام ، فكثُرت بينهم الشرور و الخُطوب ، و قُتل منهم خلق كثير ، و أُحرقت و
خُرّبت منازل و مرافق كثيرة ، و بعد ثلاثة أيام افترقوا على أقبح صورة[4] . و لم اعثر لها على أخبار أخرى من حيث تفاصيل أسبابها و مظاهرها و
آثارها . و واضح أنها كانت فتنة مأساوية مدمرة أهلكت البلاد و العباد ، و عمّقت
الخلاف و التعصب المذهبيين .




و الفتنة الخامسة هي أيضا حدثت بأصفهان بين الشافعية و الحنفية في سنة 582
هجرية ، و ذلك أنه لما مات الملك العادل البهلوان محمد بن أيدلكز سنة 582 هجرية ،
كثُرت الفتن بين الشافعية و الحنفية بسبب التعصب المذهبي ، فكان على رأس الحنفية
قاضي البلد-لم يُذكر- ، و على رأس الشافعية ابن الخُجنّدي ، فحدث بين الطائفتين من
القتل ، و النهب ، و الدمار ، ما يجل عن الوصف [5] .



و الفتنة السادسة هي أيضا حدثت بين
الشافعية و الحنفية بمدينة مرو ، زمن الوزير الخوارزمي مسعود بن علي المُتوفى سنة
596 هجرية ، و ذلك أن هذا الوزير كان متعصبا للشافعية ، فبنى لهم جامعا بمرو مشرفا
على جامع للحنفية ، فتعصبوا-أي الحنفية- و أحرقوا الجامع الجديد –الذي بناه الوزير
مسعود- فاندلعت فتنة عنيفة مدمرة بين الطائفتين ،
كادت (( بها الجماجم تطير عن الغلاصم )) ، فلما توقفت أغرمهم –أي الحنفية-
السلطان خُوارزم شاه الحنفي (ت 596ه) أموالا مقدار ما صُرف في بناء المسجد الذي
أحرقوه[6] .



و قد ذكر الرحالة ياقوت الحموي (ت 626ه)
أن مدينة أصفهان في زمانه عمها الخراب بسبب كثرة الفتن و التعصب بين الشافعية ة
الحنفية ، فكانت الحروب بينهما متصلة ، فكلما (( ظهرت طائفة نهبت الأخرى ، و
أحرقتها ، و خرّبتها ، لا يأخذها في ذلك إلا و لا ذمة ))[7] .



و نفس الأمر حكاه عن مدينة الري ببلاد فارس ،
فذكر-أي ياقوت الحموي- أن هذه المدينة كان أكثرها خرابا في زمانه ، بسبب التعصب
للمذاهب ، فكانت الحروب بين الشافعية و الحنفية قائمة ، انتهت بانتصار الشافعية ،
و لم يبق من الحنفية إلا من يُخفي مذهبه[8] .








و أشير هنا إلى أن الفتن التي ذكرناه –بين الطوائف السنية- كان سببها في
الغالب الاختلاف في المذاهب الفقهية و التعصب لها ، . و أما الفتن التي حدثت بينها
بسبب الاختلاف في العقائد –أصول الدين- و التعصب لها ، فسأذكر منها بعض ما حدث بين
الأشاعرة[9] من جهة ، و الحنابلة و أهل الحديث من جهة أخرى.








أولها فتنة ابن القشيري ببغداد سنة
469 هجرية ، و تفصيلها هو أنه لما قدم المتكلم أبو نصر بن عبد الكريم القشيري
الأشعري(ت514ه ) إلى بغداد و استقر
بالمدرسة النظامية ، عقد بها مجلسا للوعظ و التدريس ، فتكلم على مذهب الأشعري و
مدحه ، و حطّ على الحنابلة و نسبهم إلى اعتقاد التجسيم في صفات الله تعالى[10] . فلما سمع به شيخ الحنابلة الشريف أبو جعفر (ت 470ه ) ، تألم لذلك و
أنكر عليه فعلته ، ثم جنّد جماعة من أصحابه بمسجده تحسبا لأي طارئ مُحتمل ؛ و أما القشيري فقد التف حوله أصحابه و
المتعاطفون معه ، و ساعده أيضا الشيخ أبو سعد الصوفي ،و شيخ الشافعية أبو إسحاق
الشيرازي(ت 476ه) , و غيرهما من علماء الأشعرية ، ثم هاجمت جماعة من أصحابه مسجد
الشريف أبي جعفر ، فرماهم الحنابلة بالآجر ، و اشتبك الطرفان في مصادمات دامية ،
قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الجانبين ، و جُرح آخرون ، ثم توقفت الفتنة لما مالت
الكفة لصالح الحنابلة[11] .



فلما حدث ذلك أجمع علماء الأشاعرة على الخروج
من بغداد ، في مقدمتهم شيخهم أبو إسحاق الشيرازي ، إلى بلاد خُراسان حيث الوزير
السلجوقي نظام الملك ، فلما سمع بهم الخليفة المقتدي بأمر الله (467-487ه) أسرع
إلى طلبهم لُيصلح بينهم و بين شيخ الحنابلة أبي جعفر ، فلما اجتمعوا فشلت محاولة
الإصلاح و انفض الاجتماع دون اتفاق ، و كتب علماء الأشاعرة رسالة إلى نظام الملك
أخبروه فيها ما حلّ بهم على يد الحنابلة ببغداد ، و وصفوهم له بأبشع الألفاظ
القبيحة ،و اتهموهم بأشنع الاتهامات ، و حرّضوه على قطع دابرهم ،و أنه لا يجوز
السكوت عنهم[12] ، لكن رده عليهم لم يُحقق لهم ما كانوا يرجونه منه[13] .







و الثانية حدثت سنة470 هجرية ببغداد ،
بين الحنابلة و فقهاء أشاعرة من المدرسة النظامية ، و ذلك أنها وقعت بعد
أيام من ورود كتاب الوزير نظام الملك ردا على رسالة الأشاعرة في فتنة ابن القشيري
، حيث أقدم فقيه أشعري على تكفير الحنابلة ، فتصدوا له و رموه بالآجر ، فهرب و لجأ
إلى أحد أسواق بغداد و استغاث بأهله ،
فأغاثوه و اندلع قتال بين الطرفين ، و عم النهب و كثُرت الجراح ، و لم
تتوقف المواجهات إلا بتدخل الجند ، و قُتل فيها نحو عشرين شخصا من الطرفين ، و
جُرح آخرون ، ثم نُقل المقتولون إلى دار الخلافة ، فرآهم القضاة و الشهود ، و
كتبوا محضرا ضمّنوه ما جرى ،و أرسلوه إلي الوزير نظام الملك بخراسان ، ثم هدأت
الأوضاع ببغداد[14] .



و هذه
الفتنة هي امتداد لفتنة ابن القشيري ، و قد قُتل فيهما نحو أربعين شخصا من الطرفين
، و قد أظهرتا ما يكنه كل طرف للآخر من حقد و كراهية ، بسبب التعصب المذهبي المقيت
الذي أوصلهم إلى هذه الفتن التي أزهقت الأرواح و خرّبت العمران ، و أضعفت الطوائف
السنية و مزقتها.







و الفتنة الثالثة هي فتنة الواعظ المتكلم
أبي بكر البكري المغربي الأشعري ، حدثت ببغداد سنة 476 هجرية ، عندما قدم إليها و
معه كتاب من الوزير نظام الملك للتدريس و التكلّم بمذهب أبي الأشعري ، فاستقبله
ديوان الخلافة استقبالا حارا ، و هيأ له كل ما يحتاجه ، و أثناء وجوده ببغداد درّس
بالنظامية ،و في كل الأماكن التي أرادها ، فكان ينصر الأشعرية و يذم الحنبلية و
يستخف بأهلها ، فحدث بينه و بينهم سباب و خصام و مواجهات ، من ذلك إنه مرّ ذات يوم
بحي نهر القلائين ، فاعترضت جماعة حنبلية من آل الفراء ، بعض أصحاب البكري ، فحدث
بينهم عراك و سباب و خصام ، مما جعل البكري ، يستنجد بالوزير العباسي العميد بن
جهير ، فأرسل هذا الأخير من حاصر بيوت بني الفراء ، فنهبوها و أخذوا منها كتاب
إبطال التأويلات للقاضي أبي يعلى الفراء ،
و جعله الوزير بين يديه يقرأه على كل من يدخل عليه ، و يقول : (( أيجوز لمن يكتب
هذا أن يُحمى أو يُؤوى في بلد ! ))[15] .








و الفتنة الرابعة هي فتنة الواعظ الغزنوي ببغداد سنة 495 هجرية ، و مفادها
أن الواعظ عيسى بن عبد الله الغزنوي الشافعي الأشعري لما قدم إلى بغداد و مكث بها
أكثر من عام ، وقعت بينه و بين الحنابلة فتن و مصادمات ، منها أنه وعظ ذات يوم
بجامع المنصور و أظهر مذهب الأشعري، فمال إليه بعض الحاضرين ،و اعترض عليه الحنابلة
، فنشب عراك بين الجماعتين داخل المسجد[16] . و لا ندري ما حدث بعد ذلك بين الفريقين ، لأن ابن الجوزي روى الخبر
موجزا . و منها أيضا إن هذا الرجل-أي
الغزنوي- مرّ ذات يوم برباط شيخ الشيوخ أبي سعد الصوفي ببغداد ليذهب إلى بيته ،
فرجمه بعض الحنابلة من مسجد لهم هناك ، فهب أصحابه لنجدته و التفوا حوله[17] .








و الفتنة الخامسة هي فتنة ابن تومرت بالمغرب الإسلامي ، و ذلك أن المغاربة
زمن الدولة المرابطية (451-541ه) كانوا على مذهب السلف في أصول الدين ، فلما اظهر
محمد بن تومرت المغربي المصمودي الأشعري (ت 524ه) دعوته ، كفّر مخالفيه من
المغاربة ، و اتهمهم بالتشبيه و التجسيم ،و استباح دماءهم و أموالهم ، و دخل في
حروب طاحنة مع المرابطين ، و أدخل المغرب الإسلامي في فتنة دامية ، و فرض الأشعرية
على الرعية ، و عندما تُوفي واصل أتباعه دعوته ، و ارتكبوا مجازر رهيبة في حق المرابطين
عندما دخلوا مدينة مراكش سنة 541ه ، و يُروى أنهم قتلوا منهم سبعين ألف شخص[18] .




و الفتنة السادسة هي فتنة الواعظ أبي الفتوح الإسفراييني الأشعري(ت538ه) ،
و مفادها أنه لما قدم إلى بغداد سنة 515ه ، و مكث بها مدة طويلة ، تسبب في حدوث
فتن كثيرة بينه و بين الحنابلة ، لأنه جعل شعاره إظهار مذهب الأشعري و ذم الحنابلة
و التهجم عليهم ، و في أحد الأيام مرّ بأحد شوارع بغداد مع جم غفير من أصحابه ، و
فيهم من يصيح و يقول : (( لا بحرف و لا بصوت ، بل عبارة ))[19] ، فرجمه العوام ، ثم تراجموا فيما بينهم و حدثت مصادمات عنيفة أدت إلى
حدوث فتنة كبيرة لم تصلنا تفاصيلها[20] .




و الفتنة السابعة هي فتنة الشيخ الخبوشاني بمصر ، و مفادها أنه لما فتح
السلطان صلاح الدين الأيوبي(ت 589ه) مصر سنة 567هجرية ، أراد شيخه الفقيه الصوفي
نجم الدين الخبوشاني الشافعي الأشعري (ت587ه) نبش قبر المقرئ أبي عبد الله بن
الكيزاني الشافعي (ت 562ه) المدفون بقرب ضريح الإمام الشافعي بمدينة مصر ، و قال
عن ابن الكيزاني : هذا رجل حشوي لا يكون بجانب الشافعي. و في رواية أخرى إنه قال
عنه : لا يكون زنديق بجانب صديق ، ثم نبش قبره و أخذ رفاته و دفنها في موضع آخر ،
فثار عليه الحنابلة و أهل الحديث و تألبوا عليه، و جرت بينهما حملات حربية انتهت
بانتصاره عليهم[21].




و كان هذا الشيخ –أي الخبوشاني-
رجلا طائشا متهورا معروفا بكثرة الفتن منذ أن دخل مصر ، إلى أن تُوفي بها سنة 587ه
، فقد حدثت بينه و بين الحنابلة فتن كثيرة[22] لم أعثر على تفاصيلها .








و قد كان الرجلان –أي الخبوشاني و
ابن الكيزاني- شافعيين في الفروع فرّق بينهما الاعتقاد في الأصول ، فكان ابن
الكيزاني على مذهب أهل الحديث ،و كان الخبوشاني أشعري المعتقد ، لذا فهو قد تعصّب
على الرجل تعصبا زائدا ، حين نبش قبره و
لم يرع له حرمة ،و وصفه بأوصاف قبيحة ، لذا وجدنا الحنابلة يثورون عليه لأنه اعتدى
على حرمة رجل مسلم شافعي الفروع سلفي الأصول مثلهم
.




و الفتنة الثامنة حدثت بين الشافعية و الحنابلة بدمشق ، بسبب الاختلاف في
العقائد ، زمن الفقيه العز بن عبد السلام الشافعي الأشعري المتوفى سنة 660 هجرية ،
و كان هو من المشاركين فيها ، فانتصر فيها للشافعية و تعصب على الحنابلة ، فحدثت
فتنة بين الطائفتين ، و كتب هو –أي العز بن عبد السلام- إلى الملك الأشرف الأيوبي
(ت635ه) يحرّضه على الحنابلة ، فردّ عليه الملك –كان يميل لأهل الحديث- بقوله : ((
يا عز الدين الفتنة ساكنة لعن الله مُثيرها ))[23] . و هذه الفتنة لم اعثر على تفاصيلها ، و قد رواها الحافظ الذهبي
بإيجاز شديد .



و الفتنة التاسعة وقعت أيضا بدمشق بين
الحنابلة و الشافعية سنة 716هجرية ، حدثت بينهما بسبب الاختلاف في العقائد ، فترافعوا
إلى حاكم دمشق ، و حضروا بدار السعادة عند نائب السلطنة تنكز ، فأصلح بينهم ، و
انفصلوا على وفاق دون محاققة ، و لا تشويش على أحد من الفريقين[24] . و هذه الفتنة لم يفصل الحافظ ابن كثير أسبابها و لا تفاصيلها ، و
اكتفى بذكر ما نقلناه عنه .








و الفتنة العاشرة حدثت بين الحنابلة و الأشاعرة بدمشق ، أثارها الفقيه تقي
الدين بن محمد الحصني الشافعي الأشعري (ت829ه) ، بتعصبه للأشعرية و كثرة حطه على
الشيخ تقي الدين بن تيمية ، فكان يُبالغ في ذلك علانية أمام طلابه بدمشق ، فأحدث
فتنا مذهبية كثيرة بين الطائفتين لم أعثر على تفاصيلها [25] .




و الفتنة الأخيرة-أي الحادية عشرة- هي أيضا حدثت بين الحنابلة و الأشاعرة
بدمشق سنة 835هجرية ، أثارها الشيخ علاء الدين البخاري عندما تعصب على الحنابلة
، و بالغ في الحط على شيخ الإسلام ابن تيمية و صرّح بتكفيره ،
فأحدث بذلك فتنة كبيرة بين الطائفتين ، و تعصب جماعة من علماء دمشق لابن تيمية ،
منهم الحافظ ابن ناصر الدين الذي صنف كتابا في فضل ابن تيمية و ثناء العلماء عليه
، و أرسله إلى القاهرة ، فوافق عليه غالب علماء مصر ، و خالفوا ما زعمه العلاء
البخاري في تكفيره لابن تيمية و من سماه شيخ الإسلام ؛ ثم صدر مرسوم من السلطان
أمر بعدم اعتراض أي أحد على مذهب غيره ، فهدأ الوضع و سكن الحال[26] .



و ختاما لما ذكرناه ، يتبين أن التعصب
المذهبي بين الطوائف السنية أوصلها إلى المصادمات الدامية و الفتن الشنيعة ، بسبب
الخلافات الفقهية و العقيدية القائمة على التعصب المذموم . فعبّرت تلك الفتن بوضوح
على ما كانت تُكنه كل طائفة للأخرى من حقد و كراهية و حسد و تعصب . كما أنها دلّت
على أنها لم تكن حوادث شاذة معزولة ، و إنما كانت حوادث جماعية كثيرة ، من ورائها
جماعات مٌنظمة و موجهة ذات أهداف محددة .



سابعا الفتن المذهبية بين أهل السنة
و الكرّامية :



حدثت فتن مذهبية بين أهل السنة و الطائفة
الكرّامية المجسمة[27] ببلاد خُراسان ، بسبب الخلافات المذهبية و التعصب لها ، الأمر الذي
أوصلهم إلى المنازعات و المصادمات ، أذكر منها فتنتين ، الأولى حدثت بنيسابور سنة
489هجرية ، بين الشافعية و الحنفية من جهة و بين الكرامية من جهة أخرى ، فكان على
رأس الشافعية أبو القاسم بن إمام الحرمين الجويني ، و على رأس الحنفية القاضي محمد
بن احمد بن صاعد ، و على رأس الكرامية مقدمهم محمشاد ، فنعاون الشافعية و الحنفية
على الكرامية ، و حدثت فتنة كبيرة مدمرة ، خُرّبت فيها مدارس الكرامية ، و قُتل
فيها خلق كثير من الكرامية و غيرهم[28] . و هذه الفتنة أوجزها المؤرخ ابن الأثير ، و لم يذكر تفاصيلها و لا
أسبابها ، و إن كان ظاهرها يُشير إلى أنها حدثت بسبب الخلافات المذهبية و التعصب
لها .








و الفتنة الثانية حدثت ببلاد خُراسان سنة 595هجرية بين الكرامية من جهة و
المتكلم الفخر الرازي من جهة ثانية ، و ذلك أنه لما حلّ الفخر الرازي(ت606ه) عند
الملك غياث الدين الغوري الغزنوي ، أكرمه و بنى له مدرسة بهراة ، فلم يُعجب ذلك الكرامية – و هم أكثر
الغوريية- ، الذين أبغضوا الفخر الرازي و أحبوا إخراجه ، فجمعوا طائفة من فقهاء
الحنفية و الشافعية و الكرامية بحضور شيخهم ابن القدوة لمناظرة الفخر الرازي ،
فناظره ابن القدوة و انتهى بهما الأمر على السب و الشتم . فاستغل الكرامية ذلك و
جمعوا الناس في المسجد الجامع ، و قال أحدهم للناس : (( إنا لا نقول إلا ما صحّ
عندنا عن رسول الله ، و أما علم أرسطاطالس ، و كفريات ابن سينا ، و فلسفة الفارابي
، و ما تلبّس به الرازي ، فإنا لا نعلمها و لا نقول بها ، و إنما هو كتاب الله و
سنة رسوله ؛ لأي شيء يُشتم بالأمس شيخ من شيوخ الإسلام-أي ابن القدوة- يذب عن دين
الله و رسوله على لسان متكلم-أي الفخر الرازي- ليس معه على ما يقول دليل )) ، فبكى
الناس و استغاثوا ، و هاجوا و ثاروا ، عمت
الفتنة البلاد ، و كاد الأمر أن يتحول على الاقتتال ، فلما علم السلطان بذلك أرسل
إلى الناس من سكّنهم ، و أمر بإخراج الفخر الرازي[29] .



ثامنا : مظاهر أخرى من التعصب
المذهبي في الحياة الاجتماعية :




توجد مظاهر اجتماعية أخرى تجلى فيها التعصب المذهبي بوضوح ، و كان فيها هو
السبب الأساسي في ظهورها ، أذكر بعضها في النقاط الآتية :




أولا: تسلل بعض الشيعة إلى الطائفة السنية ، و نذكر على ذلك ثلاثة شواهد
تاريخية ، أولها يخص حال الفقيه نجم الدين الطوفي المتحنبل الرافضي(ت 716ه) ، كان
محسوبا على طائفة الحنابلة ، و تولى التدريس في مدارسهم ، ثم اكتشفوا أمره و ثبت
أنه شيعي يُمارس التقية ، و يقع في أبي بكر و عائشة و غيرهما من الصحابة –رضي الله
عنهم- ، و كان يقول عن نفسه :



أشعري حنبلي رافضي + هذه إحدى
الكُبَر[30]



و شعر كهذا لا يصدر إلا عن منافق يمارس التقية
على طريقة الشيعة . و لما شاع أمره طلبه قاضي الحنابلة فحكم عليه بالضرب و التعزير
و التشهير و الحبس[31] .








و الشاهد الثاني يتعلق بالشيعي محمود بن إبراهيم الشيرازي(ت 766ه) ، فقد
كان طالبا بالمدرسة العمرية الحنبلية بدمشق ، ثم أظهر الرفض ، فسجنه القاضي
الحنبلي أربعين يوما ، فلم ينفع ذلك معه ، و استمر في سب الصحابة ، حتى أنه دخل
الجامع الأموي و سب الشيخين أبي بكر و عمر و لعنهما بداخله ، ثم انتهي أمره إلى
القاضي فحكم عليه بضرب رأسه فقُتل[32] .








و آخرها –أي الشاهد الثالث- يخص حال القاضي شمس الدين محمد بن يُوسف
الدمشقي الحنفي (ت942ه) ، فإنه ناب في القضاء بدمشق ، ثم (( ثبت عليه ، و على رجل
يُقال له حسين اليقسماطي عند قاضي دمشق ، أنهما رافضيان ، فحُرّقا تحت قلعة دمشق ،
بعد أن رُبطت رقابهما و أيديهما و ارجلهما في أوتاد ، و ألقي القنب و البوري و
الحطب )) ، ثم أُحرقا حتى صارا رمادا . و سُئل مفتي الحنفية قطب الدين بن سليمان
عن قتلهما فقال : (( لا يجوز في الشرع ، بل يُستتبان ))[33].






و هذه الحادثة مثال على التعصب المذهبي
المتبادل بين الطائفتين السنية و الشيعية ، فالرافضيان دفعهما تعصبهما إلى التسلل
إلى صفوف أهل السنة لتحقيق أهداف ما ، و السنيون-الذين فعلوا ذلك- بالغوا في
التعصب لطائفتهم و الانتصار لمذهبهم ، عندما أحرقوا الرجلين بتلك الكيفية ؛ و
يبدوا أنهم لم يستتيبوا الرافضيين ، بناء على جواب القاضي مفتي الحنفية الذي لم
يوافق على ما حدث للرجلين .




و أما لماذا أندس هؤلاء الرافضة في صفوف أهل السنة ، فيبدو لي – و الله
أعلم- أنهم كانوا يهدفون إلى تحقيق جملة أمور ، أولها السعي لإفساد فكر أهل السنة
و التشويش عليهم في موقفهم من الصحابة ، و في المسائل المختلف فيها بين الطائفتين
. و ثانيها هو التشفي من الصحابة و السنيين و النكاية بهم في سبهم للصحابة و لعنهم
علانية . و ثالثها إشباع الرافضة-أي الشيعة- لأهوائهم و أحقادهم الدفينة في موقفهم
من الصحابة و السنيين ، تعصبا عليهم و انتصارا لمذهبهم . و آخرها هو التجسس على
أهل السنة لمعرفة أحوالهم الداخلية ، عساهم ينتفعون بها في التعامل معهم و التآمر
عليهم .



و ثانيا : استخدام الضرب و التضييق التهديد
في التعامل مع المخالفين في المذهب، فمن ذلك أن الخليفة العباسي القادر بالله (
381-422ه) لما عزل خُطباء الشيعة من المساجد ببغداد ، و عوّضهم بأهل السنة ، احتج
هؤلاء-أي الشيعة- و تعرّضوا للخطيب السني بمسجد براثا الشيعي بالضرب بالاجر ،
فكسروا أنفه و خلعوا كتفه ، فتدخل الخليفة
و انتقم منهم عقابا لهم و انتصارا لأهل السنة ، فجاء كبراؤهم –أي الشيعة- و
اعتذروا له- أي للخليفة- بأن الذي حدث فعله سفهاؤهم[34] .




و الشاهد الثاني يتعلق بما حدث للحافظ أبي إسحاق بن الحبال المصري(ت 482ه)
في دولة العبيديين بمصر ، فقد منعوه من التحديث (بعد سنة 476ه) ، و أخافوه و هددوه
، فامتنع من قراءة الحديث النبوي . و لما أراد القاضي أبو علي الصدفي الأندلسي
الدخول عليه ، اشترط عليه أن لا يُسمعه حديثا و لا يكتب له إجازة ، فلما دخل عليه
و كلّمه ، خاف منه و خلّط في كلامه خوفا من أن يكون مدسوسا عليه ، فلما باسطه و
أخبره أنه أندلسي يريد الحج ، أجاز له لفظا لا كتابة . و قد علّق الذهبي على ذلك
بقوله : (( قبّح الله دولة أماتت السنة و رواية الآثار ، و أحيت الرفض و الضلال ،
و بثّت دعاتها في النواحي تغوي الناس ، و يدعونهم إلى نحلة الإسماعيلية ، فبهم
ضلّت جبلية الشام و تعثّروا ))[35] .




و الشاهد الثالث يتعلق بما حدث للفقيه محمد بن خليل الحريري الدمشقي(ت
785ه) ، فإنه لما أفتى ببعض فتاوى ابن تيمية ، و قال أن الله تعالى في السماء ،
طلبه القاضي الشهاب بن الزهري الدمشقي و عزّره بالدرة ، و أمر بتطويفه على أبواب
القضاة . ثم أن هذا القاضي اعتذر للحريري
، و قال له : إنه أخطأ فيه عندما قالوا له : إن فلانا الحريري قال كيت و كيت . و و
يُروى أنه لما ضُرب هذا الرجل-أي الحريري- اغتم بعض الناس لما جرى له ، فلما سمع
الحريري قال : (( ما أسفي هذا ، إلا على أخذهم خطي بأن أشعري ، فيراه عيسى بن مريم
إذا نزل ))[36] .








و واضح من هذه الحادثة أن الاختلاف المذهبي بين الحنابلة و الأشاعرة و تعصب
القاضي للأشعرية ، هو الذي عرّض الرجل للضرب و التهديد و الإكراه و الإهانة ، و لم
يتأسف على ذلك بقدر تأسفه على أنه أُكره على الاعتراف كتابيا بأنه أشعري ، فخاف أن
ينزل عيسى-عليه السلام- و يرى اعترافه الذي أُجبر عليه ،و لا يعتقده !! .








و ثالثا: اختصاص الطوائف الإسلامية بأحياء سكنية خاصة بها في المدينة
الواحدة ، و هذه الظاهرة موجودة في كثير من مدن المشرق الإسلامي ، أذكر منها ثلاثة
نماذج ، أولها مدينة بغداد ، فكان معظم الشيعة يسكنون جانبها الغربي عامة و حي
الكرخ خاصة ، . و كان معظم أهل السنة يسكنون جانبها الشرقي ، بمحلة باب الأزج ، و
سوق الثلاثاء ، و الحربية . و كان كثير من الحنابلة يسكنون باب البصرة بالجانب
الغربي من بغداد ، قبالة حي الكرخ[37] .




و النموذج الثاني يتمثل في مدينة دمشق ، فقد كانت سنية خالصة في معظم
تاريخها الإسلامي ، فسكن غالبية الحنابلة حي الصالحية شمال المدينة خارج سورها . و
كان غالبية الشافعية و الحنفية و المالكية يسكنون داخل مدينة دمشق[38] .







و النموذج الثالث يتعلق بمدينة الري-ببلاد فارس- فقد كانت مقسمة إلى ثلاث
محلات حسب الطوائف المذهبية المكونة لها ، واحدة
للحنفية ، و الثانية للشيعة ، و الثالثة للشافعية ، فخُرّبت الأولى و
الثانية زمن الرحالة ياقوت الحموي المتوفى سنة 626هجرية ، بسبب الفتن المذهبية
المدمرة بين تلك الطوائف ، و لم تبق إلا محلة الشافعية[39] ، التي سيخربها المغول في طريقهم إلى بغداد .




و واضح من هذه الظاهرة أن اختصاص
تلك الطوائف بأحياء سكنية خاصة بها ، ساهم في تميزها ، و الحفاظ على كيانها مذهبيا
و اجتماعيا و طائفيا ، الأمر الذي كرّس المذهبية الطائفية المتعصبة ، التي جرّت
على أتباعها ويلات الفتن و الحروب .







و ختاما لهذا الفصل-أي الأول- يتبين أن التعصب المذهبي بين المسلمين –خلال
العصر الإسلامي- كانت مظاهره في الحياة الاجتماعية كثيرة و عميقة ، أوصل طوائفه
إلى اللعن و التكفير ، و السب و التشهير ، و التدابر و التنافر ، و التخريب و
الاقتتال ، حتى أنه أوصل الشيعة إلي سب الصحابة و تكفيرهم ، إتباعا لأهوائهم و
مذاهبهم و تعصبا لها .












[1] المقريزي : كتاب المواعظ و
الاعتبار ، ج 2 ص: 333-334 .







[2] أبو إسحاق الشيرازي: طبقات
الفقهاء ،حققه خليل الميس ، بيروت دار القلم ، دت ، ج1 ص: 240 . و السبكي: طبقات
الشافعية ، ج 5 ص: 34- .







[3] سبط بن الجوزي: مرآة
الزمان ، ج 1 ص: 182 .







[4] ابن الأثير : الكامل ، ج 9
ص: 478 . و ابن كثير : البداية ، ج 12 ص: 249 . و الذهبي: العبر ، ج 4 ص: 169 .







[5] ابن الأثير : الكامل ، ج 10 ص: 141 . و الذهبي: تاريخ
الإسلام ، حوادث: 581-590، ص: 14 .







[6] ابن الأثير : نفس المصدر ،
ج 7 ص: 250 . و ابن كثير : المصدر السابق ، ج 13 ص: 23 . و السبكي: المصدر السابق
، ج 7 ص: 296 .







[7] معجم البلدان ، ج 1 ص: 209
.







[8] نفسه المصدر ، ج 3 ص: 117
.







[9] هم فرق كلامية ينتسبون
لأبي الحسن الأشعري البصري (ق: 4ه) ، و أتباعها من المالكية و الشافعية ، و عن
فكرهم و نشاطهم و علاقتهم بأهل الحديث أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة
و أهل الحديث ، ط1 ، دار الإمام مالك ، الجزائر ، 1426/2005 .







[10] ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8
ص: 30 ، و ما بعدها .و السيوطي: تاريخ الخلفاء، ط1 ، مصر ، مطبعة السعادة ، 1952
، ص: 224 . و ابن أبي يعلى : طبقاتت
الحنابلة ، ج 2 ص: 239 . و ابن رجب البغدادي : الذيل على طبقات الحنابلة ، ج 1 ص:
25 . و السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ، ج 7 ص: 162 .







[11] ابن أبي يعلى : نفسه ، ج 2
ص: 239 .و ابن رجب: نفسه ، ج 1 ص: 25 . و ابن كثير : البداية ، ج 12 ص: 115 . و
الأثير : الكامل ، ج 10 ص: 1104 . و السبكي : المصدر السابق ، ج 4 ص: 234 .







[12] سنتوسع في ذلك في مبحث خاص
من الفصل الثالث إن شاء الله تعالى .







[13] ابن أبي يعلى : المصدر
السابق ، ج 2 ص: 239 .و ابن عساكر : تبيين كذب المفتري، ص: 310 ، و ما بعدها . و
ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8 ص: 312 .







[14] ابن الجوزي: المنتظم ، ج 8
ص: 312-313 و ابن كثير : البداية و النهاية ، ج 12 ص: 117 .







[15] ابن الجوزي : نفس المصدر،
ج 9 ص: 3-4 . و ابن النجار: ذيل تاريخ بغداد ، بيروت ، دار الكتاب العربي، د ت
، ج 2 ص: 185







[16] ابن الجوزي: نفس المصدر ،
ج 9 ص: 131 .







[17] نفسه ، ج 9 ص: 131 .






[18] انظر : الذهبي : السيّر ،
ج 19 ص: 645-646 . و الناصري احمد بن خالد:
الاستقصاءلأخبار دول المغرب الأقصى ط1 ، الدار البيضاء، دار الكتاب، 1997 ،
ج 1 ص: 96، 196 .







[19] هذه الكلمات هي مقولة أشعرية تتعلق بموقف الأشاعرة من كلام الله تعالى
، فالقرآن عندهم ليس كلام الله على
الحقيقة ، و ليس بحرف و لا بصوت ، بل هو عبارة و حكاية عن كلام الله النفسي القديم
الذي لا يتعدد و لا يتبعّض ،و لا ينفصل عن الذات الإلهية على ما تقوله الأشعرية .
و قد ناقشناها في ذلك و بينا خطأها فيما ذهبت إليه ، في
كتابنا : الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث .







[20] الذهبي : العبر ج 4 ص: 105
. و السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ، ج 6 ص: 172 .







[21] الذهبي: السيّر ، ج 20، ص:
454 ، و ج 21 ص: 205 .







[22] ابن تغري بلدي: النجوم
الزاهرة، ج 6 ص: 116 .







[23] الذهبي : السير ، ج 22 ص:
126 .







[24] ابن كثير : البداية ، ج 14
ص: 75 .







[25] ا بن حجر : إنباء الغمر ،
ج 2 ص: 544 . و ابن العماد الحنبلي : شذرات ، ج 9 ص : 274 .







[26] ابن العماد الحنبلي: نفس
المصدر ، ج 9 ص: 307 .







[27] ينتسبون إلى المتكلم أبي
عبد الله محمد بن كرّام السجستاني(ت قرن:3ه ) ، و هم يعتقدون التجسيم و التشبيه في
صفات الله تعالى . أنظر : عبد القاهر البغدادي: الفرق بين الفرق ، ص: 215 و ما
بعدها .







[28] ابن الأثير : الكامل في
التاريخ ، ج 9 ص: 23 .







[29] نفس المصدر ، ج 10 ص: 262
. و ابن كثير : البداية ، ج 13 ص: 18-19 .







[30] ابن العماد : شذرات ، ج 8
ص: 72 .







[31] نفسه ، ج 8 ص: 72، 73 .






[32] ابن كثير : البداية ، ج 14
ص: 310 .







[33] ابن العماد الحنبلي :
المصدر السابق ، ج 10 ص: 325-326 .







[34] ابن كثير : البداية ، ج 12
ص: 26 .







[35] سير أعلام النبلاء ، ج 18
ص: 497 .







[36] ابن حجر : إنباء الغمر
بأبناء العمر ، ج 1 ص: 97 .







[37] امثلا : ياقوت الحموي:
معجم البلدان ، ج4 ص: 448 . و ابن الجوزي : المنتظم ، ج 7 ص: 387 ، ج 8 ص: 78 . و
ابن كثير : البداية ، ج 11 ص: 338 ، ج 12 ص: 134 ، 160 .







[38] ياقوت الحموي: نفس المصدر
، ج 3 ص: 390 . و يوسف بن عبد الهادي: ثمار المقاصد في ذكر المساجد حققه اسعد طلس
، دمشق المهد الفرنسي ، 1943ه ، ص: 145،
159 .







[39] ياقوت الحموي: نفس المصدر
، ج 3 ص : 117 .










الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://shoura.yoo7.com/
 
التعصب المذهبي في التاريخ الإسلامي
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الشوره :: المنتدى الادبي :: منتدى الكتاب-
انتقل الى: